الصفحة 12 من 149

ويلاحظ هنا أن البغدادي يَجعَلُ ما يَنسُبُهُ لزُرارة بن أعين أصلا لقول معتزلة البصرة بحدوث كلام الله ــ تعالى ــ وخلق القرآن. وإن صح ذلك فيلتحق به قول البصريين أيضا بحدوث إرادة الله ــ تعالى ــ وإن قالوا: إنها محدثة في لا محل [1] ؛ لكن البغدادي نفسه في موضع آخر يرد مذهب زُرارة إلى مجرد التشبيه المحض إذ يقول في بيان استحقاق الله ــ تعالى ــ لصفاته المحدثة عند زُرارة: «وإنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة وقدرة وعلما وإرادة وسمعا وبصرا، كما أن الواحد منا يصير حيا قادرا سميعا بصيرا مريدا عند حدوث الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر فيه» [2] . وقال الإسفرايني: «وزعموا أنها كلها حادثة مثل صفات الأجسام» [3] .

وقد يكون الأصل في ذلك ما ذكره الأشعري من القول بأن زُرارة وأصحابه كانوا يرون حدوث صفة العلم, وذلك حاصل قول القدرية الأوائل منذ القرن الأول الهجري على لسان معبد الجهني البصري (المقتول عام ثمانين) : الأمر أنف [4] . ويرون حدوث صفتي السمع والبصر لشبهة تعلق ذلك بالمدركات المحدثة. وأما القول بحدوث جميع الصفات بما فيها صفة الحياة وصفة القدرة مما لا يعقل إلا مع القول بحدوث الموصوف؛ فمن باب حكاية لازم المذهب، فيما نسبه إليهم البغدادي ومن لف لفه. والله أعلم.

ج ــ الاستطاعة .. وقد مر بنا في مرويات الشيعة أن زُرارة كان يقول: من ملك الزاد والراحلة؛ فهو مستطيع للحج وإن لم يحج. وقال أبو الحسن الأشعري، في معرض ذكر اختلاف متكلمي الشيعة في الاستطاعة، في زُرارة وأصحابه: «يزعمون أن الاستطاعة قبل الفعل، وهي الصحة، وبها يستطيع المستطيع؛ فكل صحيح مستطيع» [5] .

(1) - وذلك ما صرح به الإسفراييني في التبصير ـ ص 121.

(2) - البغدادي: الفرق بين الفرق ـ ص 230.

(3) - الإسفراييني: التبصير ـ ص 121.

(4) - راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 48: 50.

(5) - الأشعري: مقالات ـ 1/ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت