... ومن العجيب أن الدكتور الشيبي يرى أن هذه الأدلة مقنعة ومنطقية، ولكنها في حاجة إلى بعض النصوص التي تسند تسمية عمار بن ياسر بابن السوداء وابن سبأ، ولقد تَبَرَّع بتقديم هذه النصوص التي وصفها ــ للأسف دون تَبَيُّن ــ الدكتور علي سامي النَّشَّار بأنها وثائق جديدة تُبَيِّنُ التطابقَ التَّامَّ بين شخصيتي عبد الله بن سبأ وعمار بن ياسر [1] .
ولَعَمْرِي إنها لأكثر تهافتا في الدلالة على المطلوب من دلائل الدكتور الوردي؛ فالشيبي ينقل عن تفسير شيعي قديم لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي (ت329هـ) سبب نزول قوله ــ تعالى ــ: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } الحجرات/ 17. فذكر أن هذه الآية نزلت في «عثكن بن معاوية» يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار يوم الخندق وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كُمَُّه على أنفه ومر؛ فقال عمار:
لا يستوي من يبتني المساجدا *** يظل فيها راكعا وساجدا
ومن يمر بالغبار حايدا *** يعرض عنه جاحدا معاندا
فالتفت إليه عثكن فقال: يابن السوداء، إياي تعني. ثم أتى رسول الله فقال له: لم ندخل معك لسب أعراضنا. فقال له الرسول: قد أقلتك إسلامك فاذهب؛ فأنزل الله ــ عز وجل ــ: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا } .
(1) - راجعه: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ـ 2/ 39. ورحم الله شيخنا النشار، الذي ورطته الغَفْلَةُ والعَجَلَةُ فيما نصبه الشيبي من حبالة؛ فأسرع إلى تقوية شباكها المهترئة، ولعل هذه القطعة من كتابه من إعداد بعض تلاميذه متنوعي الاتجاهات، أثبتها دون نظر فيها أو فيما ترمي إليه من مكان بعيد. غفر الله لنا وله؛ فقد كان غيورا طيب القلب، ومن يقرأ كتاب «شجرة محمد» الصادر ـ زعموا ـ بمشاركته لا يستبعد منا هذا الفرض.