الصفحة 49 من 165

يقال: إن عبد الله بن سبأ هو أول من أظهر الطعن في الشيخين، وألب الناس على عثمان، وأثار أبا ذر على معاوية في ولايته للشام، وقال بالوصية لعلي، ثم زعم ألوهيته، وقال برجعته بعد وفاته؛ فكان بذلك المدبر الكبير للفتنة الكبرى التي قتل فيها عثمان، وكان من مخاضها ميلاد «التشيع» .. هذا رأي غال جدا في ابن سبأ، وقد جُمعت أوشابه من روايات كتب التاريخ ابتداء من تاريخ الطبري الذي تتايع [1] نقل المؤرخين عنه فيما بعد، وأحسب أنه هو الذي أدى إلى تضارب الآراء حول شخصية ذلك اليهودي الخبيث؛ فهناك من يتشكك في حقيقة دوره في الفتنة، وهناك من يتردد في إثبات وجوده التاريخي، وهناك من ينكر ذلك الوجود أصلا ويثبته في عداد الأساطير المختلقة.

ولقد ذهب بعض كتاب الشيعة المعاصرين إلى أن الأصل التاريخي لشخصية ابن سبأ هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر، الذي كانت قريش تعتبره رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم تشأ أول الأمر أن تصرح باسمه؛ فرمزت له بابن سبأ، وتناقل الرواة هذا غافلين عما يجري وراء الستار، وجاء النواصب من أعداء البيت العلوي فحّملوا شخصية ابن سبأ الوهمية تلك العقائد الشاذة التي انتشرت وذاعت في كتب العقائد والفرق. وقد ساقَ سبعةَ أدلةٍ لإثبات هذا الرأي الدكتور علي الوردي [2] . وأضاف إليها الدكتور كامل مصطفى الشيبي دليلا ثامنا [3] . وهذه الأدلة المزعومة تتعلق بكنية عمار، ونسبه، وحبه لعلي، وما يُروَى عن نقده لصرف الخلافة عنه، وعن تحريضه على والي عثمان في مصر، وعن علاقته بأبي ذر، ودوره في وقعة الجمل. والأمر الثامن في كلام الشيبي أن الطبري كان يتحاشى ذكر عمار مع ابن السوداء.

(1) - التتايُع بالياء يعني: التهافت، وإلقاء النفس في الشيء بغير ثبت .. انظر الخليل بن أحمد: العين ـ مادة (تيع) .

(2) - راجعه: وعاظ السلاطين ـ 274: 278 (ط بغداد 1954م) .

(3) - راجعه: الصلة بين التصوف والتشيع ـ ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت