وأود أن أقول في هذا المقام: إن الاستبداد هنا لا يقصد به استقلالُ أبي بكر بحبس الفيء وأرض فدك، ولا تركُ علي في مشورة السقيفة والبيعة فقط وهو يحسب أن له في كل ذلك نصيبا لقرابته؛ فذلك مما لا يختص به علي وحده، وعمه العباس أولى منه في الأولى لو كان الأمر أمر الميراث، ويشاركه مع بني عبد المطلب في الثانية، ولم يكن علي كبير القربى آنذاك. وما الذي يمنع أن يكون ذلك عتابا على ما تم من الانفراد بعرض أمر أبي بكر ومن معه على المتشاورين يوم السقيفة فاختاروا منهم أبا بكر؟ وقد يتقوى هذا الفهم إذا قرأنا هذا الحديث مع حديث ابن عباس وما سبق ذكره مما قواه الحافظ ابن حجر في استدلاله على أن النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لم يستخلف [1] .
(1) - وإني لا أجد بأسا في أمر تأخر بيعة علي ستة أشهر ـ وهذا هو القول الراجح عندي ـ مع انعقاد البيعة لأبي بكر؛ فلا إشكال في تأخيره البيعة إذ يكفي في بيعة الإمام أن تقع من أكثر أهل الحل والعقد، ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كلَّ أحدٍ أن يحضر عنده ويضع يده في يده؛ بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه بشق عصا الطاعة وتفريق الجماعة؛ على ما نقله الحافظ ابن حجر صراحة عن المازري في شرح حديث السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ السابق، كما في فتح الباري ـ 7/ 494. وعلي ـ عليه السلام ـ لم يخالف بارتكاب شيء من ذلك، بل إنه صدر بيعته المتأخرة بالاعتذار للخليفة صاحب البيعة فأعذره وقبل منه، وسُرَّ المسلمون منه بذلك حينما راجع الأمر المعروف ودخل فيما دخل فيه الناس.
وعلى ما قاله المازري يكون حديث عبد الله بن عمر في أن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية محمولا على شق عصا الطاعة وتفريق الجماعة، وتمام نصه في صحيح مسلم ـ 3/ 1478 (كتاب الإمارة ـ باب وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة) بإسناده عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحَرَّةِ ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس. أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوله. سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» . وأخرج مسلم في الباب بمعناه أحاديث مرفوعة عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة وعبد الله بن عباس. ولذلك الحكم أيضا علاقة بزمان الفتن كما يظهر من سياقة الأحاديث وتراجم أبوابها في الصحيح.