وفي هذا وفيما أشرت إليه في الحواشي السابقة من حديث الحسن البصري في نفي العهد [1] ، ما يؤكد لنا أن سيدنا عليا ــ رضي الله عنه ــ لم يعتقد في رأيه إلزام الأمة.
* لقد راجع علي الأمر المعروف فبايع لأبي بكر الذي بايعه جمهورُ الصحابة، ثم بايع لعمر حين ولاه أبو بكر بمشورة المسلمين ورضاهم، ثم بايع لعثمان بعد أن أعطى موثقه لعبد الرحمن ــ رضي الله عنهم جميعا.
وقد عرف ــ رضي الله عنه ــ للخلفاء الثلاثة قبله حقهم من الطاعة والنصيحة، وكان يغزو إذا أغزوه، ويأخذ إذا أعطوه، ويضرب الحدود بين أيديهم. وإنني لا أشك في أن سياسة كل من أبي بكر وعمر في قيادة الأمة، وأخذهما في الأمر بما بلغ الغاية في الاتباع والصلاح وإقامة العدل، مع الاحتياط في متابعة العمال، والشدة في أمر الله بما لم يختلف عليهما فيه أحد له قول معتبر .. كل ذلك جعل عليا يقر لهما بالفضل؛ حتى اشتهر عنه تقديمهما في زمان خلافته، وقد كان بعض محبيه يقدمه من غير طعن في الشيخين؛ فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي جحيفة الذي كان علي يسميه وهب الخير قال: قال علي ــ رضي الله عنه ــ: يا أبا جحيفة، ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قال: قلت: بلى. قال: ولم أكن أرى أن أحدا أفضل منه. قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر ــ رضي الله عنه ــ وبعدهما آخر ثالث ولم يسمِّه [2] .
(1) - وسيأتي تخريجه والدلالة على حسنه في ملحق التخريج، في الفقرة الثالثة الحديث رقم 3.
(2) - مسند أحمد ـ 1/ 106.