وإن كان هذا المذهب عندهم لا ينفصل عن حقيقة الإسلام في مفهومه الأصلي، وفي ظهوره ونشأته كما أشرت آنفا. وهذا يعني أن الإمامة هي محور المذهب، والنقطة الفاصلة بين القوم وغيرهم من طوائف المسلمين، وهذا ما أكده شيخ متكلمي القرن الخامس من الاثنا عشرية حينما أراد أن يبين حقيقة التشيع وأصل اسمه في لغة العرب .. قال الشيخ المفيد: «التشيع في أصل اللغة هو الاتباع على وجه التدين، والولاء للمتبوع على الإخلاص. قال الله عز وجل: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } القصص/15. ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام ...، ومنه قولهم: فلان تكلم في كذا فشيع فلان كلامه. إذا صدقه فيه واتبعه في معانيه، ومن هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر لوداعه: هو مشيع له. غير أنه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة بالتشيع، ولا يقع عليه إطلاق اللفظ بأنه من الشيعة، كان متبوعه محقا أو كان مبطلا، إلا أن يُسقط منه علامة التعريف التي هي الألف واللام، ويضاف بلفظ «من» للتبعيض؛ فيقال: من شيعة بني أمية، أو من شيعة بني العباس، أو من شيعة فلان أو فلان. فأما إذا دخل فيه علامة التعريف؛ فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين ــ صلوات الله عليه ــ على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول ــ صلوات الله عليه وآله ــ بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء ... » [1] .
(1) - هذا رأي المفيد وهو يصور موقف الاثنا عشرية؛ لكن من الشيعة الزيدية من رأى في الإمامة غير ذلك، وجوز «إمامة» المفضول مع وجود الفاضل، وقال: إن الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي ـ عليه السلام..ورأي الشيخ المفيد يمنع انطباق التشيع على الغلاة أيضا؛ لأنهم خرجوا من حد الإمامة إلى الألوهية .. راجع الدكتور مصطفى كامل الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع ـ ص 16، 17.