وقد نقل الحافظ ابن حجر بالموضع الثاني لحديث ابن عباس في كتاب الاستئذان من الصحيح قول المهلب بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة الأزدي (ت435هـ) أحد شراح صحيح البخاري القدامى: «وفيه أن الخلافة لم تذكر بعد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لعلي أصلا؛ لأن العباس حلف أنه يصير مأمورا لا آمرا لما كان يعرف من توجيه النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بها إلى غيره. وفي سكوت علي دليل على علم علي بما قال العباس...» .
ولقد فَنَّدَ الحافظُ هذا الرأي فقال: «قلت: وهو كلام من لم يفهم مراد علي، وقد قدمت في شرح الحديث في الوفاة النبوية بيان مراده، وحاصله: أنه إنما خشي أن يكون منع النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لهم من الخلافة حجة قاطعة لمنعهم منها على الاستمرار؛ تمسكا بالمنع الأول لَوْ رَدَّهُ بمنع الخلافة نصا. وأما منع الصلاة فليس فيه نص على منع الخلافة، وإن كان في التنصيص على إمامة أبي بكر في مرضه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة؛ فهو بطريق الاستنباط لا النص، ولولا قرينة كونه في مرض الموت ما قوي، وإلا فقد استناب في الصلاة قبل ذلك غيره في أسفاره والله أعلم. وأما ما استنبطه أولا ففيه نظر؛ لأن مستند العباس في ذلك الفراسة وقرائن الأحوال، ولم ينحصر ذلك في أن معه من النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ النص على منع علي من الخلافة، وهذا بين من سياق القصة. وقد قدمت هناك أن في بعض طرق هذا الحديث أن العباس قال لعلي بعد أن مات النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: ابسط يدك أبايعك؛ فيبايعك الناس. فلم يفعل. فهذا دال على أن العباس لم يكن عنده في ذلك نص والله أعلم» [1] .
(1) - الحافظ ابن حجر: فتح الباري ـ 11/ 60. وأضيف إلى رد الحافظ من عند نفسي أن قول المهلب بن أحمد لو كان صحيحا؛ لكان فيه تهمة ظاهرة للعباس ـ رضي الله عنه ـ في سعيه لبيعة ابن أخيه مع علمه بأن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد وجه الخلافة لغيره.