ولا أدري يقينا هل ظهر ادعاء القول بتلك الوصية في زمان خلافة عثمان ــ رضي الله عنه ــ حينما اشتعلت الفتنة الكبرى التي أدت لمقتله ظلما؟ أم هل ظهر في خلافة علي ــ رضي الله عنه ــ حينما نوزع في الأمر بغير حق؟
* لكن في الأخبار الصحيحة والحسنة ما يشير إلى أن سيدنا عليا نفسه ــ رضي الله عنه ــ ونفرا من بني هاشم كالعباس بن عبد المطلب ــ رضي الله عنه ــ كانوا يرون عليا أولى الناس بخلافة الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لقرابته، وسابقته، وسعة علمه، وحسن بلائه في الإسلام. لكنه مجرد رأي لا يدعمه نص من الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم. وقد مر بنا حديث ابن عباس من صحيح البخاري، وفيه لومُ العباس لعلي ــ رضي الله عنهما ــ ومطالبتُه لعلي بسؤال الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ عن أمر الخلافة، وامتناعُ علي عن السؤال ...، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الزهري أن ذلك كان يوم قبض النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم. وعن الشعبي مرسلا قال علي: وهل يطمع في ذلك غيرنا؟ قال: أظن والله سيكون. وزاد ابن سعد في مرسل الشعبي في آخره فلما قبض النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال العباس لعلي: ابسط يدك أبايعك تبايعك الناس. فلم يفعل. وزاد عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: قال الشعبي: لو أن عليا سأله عنها كان خيرا له من ماله وولده. قال ابن حجر: «ورويناه في فوائد الذهلي بسند جيد عن ابن أبي ليلى قال: سمعت عليا يقول: لقيني العباس فذكر نحو القصة التي في هذا الحديث باختصار، وفي آخرها قال: سمعت عليا يقول بعد ذلك: يا ليتني أطعت عباسا. يا ليتني أطعت عباسا. وقال عبد الرزاق كان معمر يقول لنا: أيهما كان أصوب رأيا؟ فنقول: العباس. فيأبى ويقول: لو كان أعطاها عليا فمنعه الناس لكفروا» [1] .
(1) - انظر الحافظ ابن حجر: فتح الباري ـ 8/ 143. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية بين المتكلمين والصوفية ـ ص 41، 42.