4 ــ بيان تفويض الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ هذا الأمر للأمة؛ لثقته في قدرة الرعيل الأول على تحمل المسئولية بما تلقوه عنه من الديانة، وزكت به نفوسهم في صحبته والعمل بسنته؛ دون إغفال لما يُعلمه الله ــ جل وعلا ــ به مما سبق به القلم في قدره الحكيم [1] .
(1) - ومن أعظم ما يدل على ذلك ـ في رأيي ـ أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الفتن، وفي الأمر بلزوم الجماعة وإمامها، وعدم شق عصا الطاعة بالخروج على البيعة؛ برغم إخباره أنه سيكون بعده فيما تستقبل الأمة خير فيه دخن في أئمة نعرف منهم وننكر، وشر في أئمة لا يهتدون بهداه ولا يستنون بسنته، وفي دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها .. ففي حديث حذيفة بن اليمان: «تَسمعُ وتُطيعُ للأمير، وإن ضُرِبَ ظَهْرُك، وأُخِذَ مَالُك، فاسمع وأطع» . وفي حديث أبي هريرة: «من خرج على الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات؛ مات ميتة جاهلية، ومن قُتِلَ تحت راية عُمِّيَّةٍ، يَغضَبُ لِلْعَصَبَةِ، ويُقاتلُ لِلْعَصَبَةِ؛ فليس من أمتي ...» . وفي حديث ابن عمر: «من خلع يدا من طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .. انظر هذه الأحاديث في صحيح مسلم (كتاب الإمارة ـ باب وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة) . وفي الباب التالي باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع أخرج الإمام مسلم حديث عَرْفَجَة: «ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف كائنا من كان» . وفي رواية: «من أتاكم، وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه» . وفي الباب التالي باب إذا بويع لخليفتين أخرج الإمام مسلم حديث أبي سعيد الخدري: «إذا بويع للخليفتين، فاقتلوا الآخَرَ منهما» .
وهذا وغيره من صحيح الحديث تقنين لنظام البيعة، وبيان لما يلزم المسلمين في بيعتهم من واجبات السمع والطاعة، ولزومِ الجماعة، والصبرِ على المكاره ما دامت شعيرةُ الإسلامِ الصلاةُ قائمةً. والكلامُ على إعداد الأمة وتربيتها على التسليم للإمام المعصوم صاحب النص، لا يَستقيمُ أبدا مع ثبوت الكلام على إعدادها وتربيتها على التعامل مع الخليفة الذي يستمد سلطانه من بيعة الجماعة واختيارها؛ فالأمر إما أن يكون نصًّا مُطاعًا في معصوم لا يخطئ، أو بيعةً باختيار الأمة التي ينبغي أن تتحمل المسئولية، ولا يجتمعان.