ولم يكن هذا الشخصُ الداعيةُ المرشحُ للإعداد الرسالي القيادي، والمنصوبُ لتسلم مستقبل الدعوة، وتزعُّمِها فكريا وسياسيا، إلا الإمامَ عليَّ بنَ أبي طالب، الذي رشحه لذلك عمقُ وجوده في كيان الدعوة؛ فهو المسلم الأول، والمجاهد الأول في سبيلها عبر كفاحها المرير ضد كلّ أعدائها، وكذلك عمقُ وجوده في حياة القائد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ فهو ربيبُه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفه، وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه، ما لم يتوفر لأي إنسان آخر، وقد كان النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها، ويبدؤه بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفد الإمامُ أسئلته، ويختلي به الساعاتِ الطوالَ في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق، ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة.
* وهنا يلجأ السيد الصدر إلى الأدلة التقليدية في بيان ترجيح ترشيح سيدنا علي لمنصب الإمامة بعد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ مباشرة، وفي بيان النص على تعيينه لولاية أمر المسلمين بعد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ بلا فاصل. ومما يرجح ترشيحه لمنصب الإمامة شواهد كثيرة منها ما أخرجه الحاكم بإسناده عن أبي إسحاق، سألتُ قثم بن العباس: «كيف وَرث عليٌّ رسول الله؟ قال: لأنه كان أولنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا» [1] .
(1) - أخرجه الحاكم في المستدرك ـ3/ 136 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ـ19/ 40من قول قثم بن العباس. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ـ5/139 بإسناده عن أبي إسحاق، عن خالد بن قثم أنه قيل: له ما لعلي ورث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون جدك وهو عمه؟ قال: «إن عليا كان أولنا به لحوقا وأشدنا به لصوقا» .