الصفحة 24 من 165

وهو يرى أنَّ تحديد الهدف في تلك المرحلة بهذه الدرجة المذكورة أمر منطقي تفرضه طبيعة العمل التغييري، إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلا وفقا لإمكاناتٍ عَمليَّةٍ مُتاحَةٍ بالفعل [1] . وليس من المعقول ــ في رأيه ــ أن يطرح الإسلام نظرية الشورى بإجمال في صورة مبدأ عام لكي يتحدد فكريا من خلال الممارسة والتطبيق، وتتبلور مفاهيمُه عبرَ التجربة المخلصة؛ فالإسلام هو رسالة الله التي حددت فيها الأحكام والمفاهيم، وَزُوِّدَتْ ربانيّا بكل التشريعات العامَّة التي تتطلبها التجربة، فلا بدَّ لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها، وإلا اضطرت إلى استلهام سوابقها الذهنية ومرتكزاتها القبلية، وأدّى ذلك إلى نكسة في مسيرة التجربة، وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن، وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية [2] .

(1) - وهذا يعني أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دعوته لم يجعل الأمة في سوادها الأعظم ولا في أهل الحل والعقد منها موضع الثقة، وإنما تكون الثقة بفرد واحد كامل معصوم من الخطأ في تبليغ الشريعة والعمل بمقتضاها. وهذا الذي يكافح السيد الصدر في سبيل إثباته يلزم عنه فشل الدعوة النبوية ـ على مستوى الفكر السياسي ـ في إقامة نظام دولة مستقرة للمسلمين؛ إذ مكنت أعداءهم من القضاء عليها في يسر إذا تخلصوا من الإمام، أو حالوا بينه وبين قيادة أمته.

(2) - هذه الملاحظة يمكن توجيهها أيضا نحو تأكيد ضرورة تقديم الرسالة والدعوة ـ من خلال النصوص المحدودة ـ الأصول العامة التي تحتاجها الأمة في مسيرتها الطويلة بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم. وَتَنزيلُ هذه الأصول على التطبيقات غير المحصورة هي مهمةُ أولي الأمر العلمي التي اضطر القوم إلى التسليم بها أو العمل على مقتضاها بعد ابتداء الغيبة الكبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت