ويشير السيد الصدر بعد ذلك إلى قصر الفترة الزمنية التي مارس النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ فيها تربيته للجيل الأول، فهي لا تتجاوز تقريبا ــ في رأيه ــ عقدين من الزمن بالنسبة إلى أقدم صحبة من القلائل الذين رافقوه في بدايات الطريق، ولا تتجاوز عقدا واحدا من الزمن بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من الأنصار، ولا تتجاوز ثلاث سنوات أو أربعا بالنسبة إلى الأعداد الهائلة التي دخلت الإسلام، ابتداء من صلح الحديبية، وبعد فتح مكة. وما زخرت به تلك الفترة من أحداث الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعددة، الأمر الذي ميّز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته من نوع العلاقة بين شخص كالسيد المسيح وتلامذته، فلم تكن علاقة مدرس ومرب متفرغ لإعداد تلامذته، وإنما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول باعتباره مربيا وقائدَ حربٍ ورئيسَ دولة [1] .
(1) - إني لأعجب من بهرجة هذا الادعاء والاعتماد عليه في هذا المقام، ورده قريب المنال عند كل من قرأ سيرة الصحابة والتابعين في الفتوح الإسلامية؛ حيث يجد في الجموع الكثيرة التي باعت نفسها وما تملك من حطام الدنيا لله ـ جل وعلا ـ من دلالات عمق الفهم عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودلالات تربيته وآثارها في نفوس الفاتحين والوارثين العظام. وحسبنا هنا الإشارة إلى موقف ربعي بن عامر ـ رضي الله عنه ـ مع رستم قائد الفرس قبيل معركة القادسية .. انظر تاريخ الطبري ـ 2/ 401. مع أن ربعي بن عامر ليست له صحبة طويلة، بل عده ابن حجر في جملة الصحابة بدلالة مستنبطة، كما في الإصابة في تمييز الصحابة ـ 2/ 454 لأنه وُلِّيَ على طخارستان، وكانوا لا يؤمِّرُون آنذاك إلا الصحابة.