... وهو يفهم من النص المجرد لهذا الاستخلاف أنّ الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى، وأنه كان يرى أن من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة. حتى الذين اعترضوا على فعل أبي بكر في استخلاف عمر لم يكن لهم تصور مُعَيَّنٌ للشورى، ولم نعهد أنَّ أحدا منهم استعمل هذا الشعار كحكم سمعه من النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ في حياته؛ فقد اتخذ طلحة موقفا معارضا من تعيين أبي بكر لعمر، وأعلن السخط على هذا التعيين؛ لكنه لم يُفكر أن يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى، ولم يعارض موقف أبي بكر بأنه مُخالفٌ لما هو مسموع من النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ في الشورى والانتخاب [1] .
(1) - إن موقف طلحة الذي ذكره الطبري في تاريخه ـ 2/ 355 في مراجعته لأبي بكر في استخلاف عمر لما يعرفه من شدته التي قد تخالف ـ في رأي طلحة ـ ما يلزم لسياسة الرعية من لين وموادعة في حملهم على الحق، وما رواه الطبري قبل ذلك ـ 2/ 353 من كلام أبي بكر لعبد الرحمن بن عوف في تسويغ اختياره لعمر في عظة جليلة .. كل ذلك يدل على أن أبا بكر لم يستقل بهذا الاستخلاف دون مشورة أو مراجعة من كبار الصحابة ـ رضوان الله عليهم جميعا. وكذلك ما رواه الطبري ـ ص 353 أيضا من إكمال عثمان لعهد أبي بكر حينما أغمي عليه بذكر استخلاف عمر؛ فهذا يدل على سبق التشاور وتبادل الرأي في الأمر؛ حتى إن أبا بكر لما أفاق شكر لعثمان صنيعه ودعا له..وقد أخرج ابن سعد في الطبقات ـ 3/ 199، 200 من طرق متعددة مُدخِلا حديثَ بَعضِها في بَعضٍ، ما يفيد أن أبا بكر إنما استخلف عمر بعد مشورة تولاها بنفسه، فشاور عبد الرحمن، وعثمان، وأبا الأعور سعيد بن زيد، وأسيد بن الحضير وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وبين أن ذلك قد عُلِمَ فدخل بعضُ الصحابة على أبي بكر ليَثنِيَهُ عن استخلاف عمر لغلظته وشدته ويخوفه بالله ـ يعني طلحة ولم يسمه في روايته ـ فقال أبو بكر: أبالله تخوفوني، خاب من تَزَوَّدَ من أمركم بظلم. أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت لك من وراءك. ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب ... ثم أمره فخرج بالكتاب مختوما ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي، فقال عثمان للناس أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به ـ قال ابن سعد: علي القائل ـ وهو عمر. فأقروا بذلك جميعا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه ...
وهكذا لا يقال إن طلحة لم يلعب بورقة الشورى، لأن دخوله على أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ معترضا كان في إطار مرحلة المشاورة، واستماعِ الصِّدِّيقِ ـ رضي الله عنه ـ لجملة آراء أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار قبل كتابة العهد وإعلانه في الناس؛ على أن طلحة ـ رضي الله عنه ـ لم يعارض أيضا بذكر نص نبوي في الإمامة؛ لو كان لهذا النص وجود في ذهنية ذلك الجيل الطليعي للأمة ـ على حد تعبير الصدر فيما سلف من كلامه.