الصفحة 18 من 165

* وأما الطريق الثاني، وهو أن يخطط الرسول القائد ــ صلّى الله عليه وآله وسلم ــ لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويتخذ موقفا إيجابيا، فيجعل القيام على الدعوة، وقيادة التجربة للأمة ممثلة في جيلها العقائدي الأول الذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، على أساس نظام الشورى؛ فالسيد الصدر يرى أن الرسول ــ صلّى الله عليه وآله وسلم ــ لم يسلك هذا الطريق؛ لأن ذلك يستلزم أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى، وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعا دينيا مقدسا، وإعداد المجتمع الإسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت ــ قبل الإسلام ــ وضعا سياسيا على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش، في الغالب، وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير. ومن السهولة بمكان إدراك أن النبي ــ صلّى الله عليه وآله وسلم ــ لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لأنّ هذه العملية لو كانت قد أنجزت؛ لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي ــ صلّى الله عليه وآله وسلم ــ وفي ذهنية الأمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل الطليعي منها، الذي يضمُّ المهاجرين والأنصار، بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجدُ في الأحاديث عن النبي ــ صلّى الله عليه وآله وسلم ــ أيةَ صورةٍ تشريعية محددة لنظام الشورى [1] .

(1) - وهذا الذي قاله السيد الصدر يمكن أن يقلب عليه فيما يدعيه من وجود النص على الإمامة. وإني لأحسبه يعني بالشورى هنا نظام الانتخاب المختص باختيار الخليفة القائد الأعلى للأمة. والشورى في حقيقة الأمر مبدأ عام تقرر بصريح القرآن وعدد وافر من الأحاديث النبوية، ويدخل تحت هذا المبدأ كثير من الفروع منها مسألة اختيار الخليفة.

وما ينبغي أن يتجاوز النص على الشورى حد تقريرها مبدأ عاما؛ فالنص الذي يُحَدِّدُ التطبيق ويُفَصِّلُه التفصيلَ الملزم في أي فرع يخرجه من مجال الشورى إلى مجال المنصوص المقطوع بالحكم فيه. ومن ذا الذي يكون له رأي بعد بيان القرآن أو بيان الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم؟! ومن ذا الذي يراجع آراء الناس، ويبحث فيها عن وجه الحق والصواب بعد ظهوره في آية صريحة أو سنة صحيحة؟!

ومما يجدر ذكره هنا أن مبدأ الشورى لم يكن بالجديد في البيئة العربية بين المهاجرين والأنصار؛ فقد كان لقريش في الجاهلية دار للندوة يتشاورون فيها في أمور السيادة والتجارة والحرب والأحلاف وغير ذلك. وفي تفسير قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } الشورى/ 83. قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ـ 16/ 36، 37: كانت الأنصار قبل قدوم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به. قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون؛ فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وورد النقباء إليهم، حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له ... قال القرطبي: فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت