والاعتقاد الأول ليس له ــ من وجهة نظر السيد الصدر ــ ما يبرره في واقع المسلمين آنذاك، بل كانت طبيعة الأشياء تدل على خلافه، لأنَّ الدعوة ــ بحكم كونها عملا تغييريا انقلابيا في بدايته، يستهدف بناء أمة، واستئصال كل جذور الجاهلية منها ــ تتعرض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها دون أي تخطيط سابق؛ فهناك الأخطار الناتجة عن الفراغ المفاجئ في سلطة قيادة الأمة، وليس هناك ضمان لسلامة القرار المرتجل السريع الذي ستتخذه الأمة في ظل الصدمة العنيفة بفقد النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ الذي كانت تتعلق به وتتابعه في كل شئون الدين والحياة. وهناك الأخطار التي تنجم عن عدم النضج الرسالي بدرجة تضمن للنبي، سلفا، موضوعية التصرف الذي سوف يقع، وانسجامه مع الإطار الرسالي للدعوة، وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت لا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام إلى مهاجرين وأنصار، أو قريش وسائر العرب، أو مكة والمدينة [1] .
(1) - قال المحقق الدكتور شرارة: هناك أكثر من شاهد على هذه الحالة. وأشار إلى قصة تنازع غلامي المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق، وما حدث من استنصار كل واحد منهما بقومه ..
أقول: لقد وردت القصة في حديث أخرجه البخاري ومسلم، والذي يقرأ روايات الحديث في الصحيحين تامة لا يجد في مجموعها شيئا يتعلق به المحقق ولا غيره في نفي النضج الرسالي للدعوة في مجتمع المهاجرين والأنصار؛ وفي بعض روايات مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار. فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين. ونادى الأنصاري: يا للأنصار. فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: «ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟» قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر. قال: «فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر، وإن كان مظلوما؛ فلينصره» .
وهنا نسمع تعليق الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبيانه المربي لأمته، وتعليق الصحابة في بيان حقيقة الأمر في صورة هي أقرب ما تكون للاعتذار عما بدر من الغلامين أو الرجلين المستنصرين .. (راجع الروايات التامة في صحيح البخاري ـ 3/1296كتاب المناقب ـ باب ما يُنْهَى من دعوة الجاهلية، 4/ 1861كتاب التفسير ـ سورة المنافقين باب قوله { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ } ، 1863 باب { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ } . وفي صحيح مسلم ـ 4/ 1998، 1999كتاب البر والصلة والآداب ـ باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما. وفي جامع الترمذي ـ 5/ 417 كتاب التفسير ـ باب ومن سورة المنافقين) .
ولقد وقعت هذه الحادثة، كما جاء في رواية الترمذي وغيره، في غزوة بني المصطلق، وهي في العام السادس الهجري قبل الحديبية، كما في تاريخ الطبري ـ 2/ 207. ولو سلمنا جدلا أنها دالة على التناقضات الكامنة التي كانت لا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام إلى مهاجرين وأنصار، مما يُخَافُ خطره على مستقبل الرسالة واستقامة مسار الأمة بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفراغ سلطة القيادة ممن يجمع شمل الأمة؛ فقد كان أمام النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زمان كاف، وهو يعد لمستقبل الأمة والرسالة، لكي يعمل على استلال هذه النزعات، ورفع تلك التناقضات الكامنة في زوايا نفوس المسلمين، وقد اطلع عليها في زمان مبكر، وإن لم نضع في الحسبان عاملَ الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي، الذي من شأنه أن يدفعه إلى التفكير في مصلحة الأمة ومستقبل الرسالة، إن لم يحدد له السبيل القويم الذي يضمن صلاح الأمة وسلامة الرسالة واستمرار الدعوة ـ كما يرى السيد الصدر.
وقد يناسب هذا الفرض أن نقول: لقد راعى الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مصلحة الأمة ومستقبل الرسالة في خطة محكمة؛ فقد جاء في الصحيحين وفي رواية الترمذي أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حينما سمع مقالة عبد الله بن أبي بن سلول قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» . وفي تاريخ الطبري ـ 2/ 110 أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يأذن لعمر، وإنما أذن في الرحيل في وقت لم يكن يرحل فيه، ومتَّنَ بالناس يومَهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن كلام عبد الله بن أبي، الذي كان صاحب مقام ومنزلة عند الخزرج؛ إلى أن يتعلم الناس أن الولاء كله لله ورسوله.
وهذا يعني أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان بعيد النظر ـ لو جاز هذا التعبير ـ في التعامل مع الأحداث، وفي تربيته وإعداده لأصحابه، وما كان ليغفل نعرات الجاهلية ولا المنافقين ليفسدوا أمر جماعة المسلمين. ولم يمض وقت بعيد حتى غدا المجتمع المسلم بريئا من الخضوع لتلك النعرات الهدامة، وقادرا على كشف دسائس المنافقين ومواجهتها بما ينبغي، ومستعدا لحمل أعباء الدعوة والرسالة بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد كانت جموع الصادقين منذ أحد تعلن شعارها: لنمت على ما مات عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم. ولم يكن موقف عمر بن الخطاب حينما أُخبر بوفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أكثر من تعبير فردي يعبر عن شدة المحبة والتعلق بشخصية الرسول العظيم، وهو أشبه ما يكون بغلبة الحال الصوفي الذي لا يتجاوز البارقة، ولا تعدو الشطحة فيه حد الانفعال بما يثور في القلب، وسرعان ما يزول ظاهره البادي في صورة الضعف والغلبة؛ ليبقى الاطمئنان والتمكين والتسليم الذي ملأ أركان نفسه حينما سمع أبا بكر الصديق يتلو على الناس قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ } آل عمران/ 144.