* ويذهب السيد الصدر بعد ذلك إلى القول بأن الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لم يفاجئه الموت، وإنما كان يدرك قرب أجله قبل وفاته ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ بزمن كاف للتفكير في مستقبل الدعوة، والتخطيط لما ينبغي أن تكون عليه دولة المدينة من بعده. وهذا التفكير والتخطيط واجب في حقه ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ باعتباره قائدا للأمة، وقد كان حريصا على أن تصلَ دعوته إلى العالم أجمع، فإنّ هذا بحد ذاته يقتضيه أن يحسب حساب المستقبل، وإن لم نضع في الحسبان عاملَ الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي، الذي من شأنه أن يدفعه إلى التفكير في مصلحة الأمة ومستقبل الرسالة، إن لم يحدد له السبيل القويم الذي يَضمن صلاحَ الأمة واستمرارَ الدعوة وسلامة الرسالة ..
وهنا يطبق السيد الصدر إحدى صور منهج السبر والتقسيم، ويحصر الطرق التي يمكن أن يسلكها الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ في تحديد مسار الأمة ومستقبل الرسالة من بعده في ثلاثة: أولها: الطريق السلبي، وثانيها: الطريق الإيجابي ممثلا بالشورى، وثالثها: الطريق الإيجابي ممثلا بالتعيين. وإذا بطل الطريقان الأول والثاني؛ فقد ثبت الثالث، وهو المطلوب لديه.
* أما الطريق الأول، وهو أن يقف الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ من مستقبل الدعوة موقفا سلبيا، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته؛ فهذا محال في حقه ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لأن هذا التوجه ينشأ من أحد أمرين:
أولهما: الاعتقاد بأن هذه السلبية والإهمال لا تؤثر على مستقبل الدعوة، وأن الأمة التي سوف يُخَلّفُ الدعوة فيها قادرة على التصرف بالشكل الذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف.
وثانيهما: النظرة المصلحية، بمعنى أنه ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ كان قد قصر اهتمامه بالأمة والدعوة للرسالة على ما يتحقق له في فترة حياته فحسب.