الصفحة 11 من 165

والسيد الصدر يرى أن الذي دفع أولئك الباحثين إلى تلك الافتراضات، أو الاعتقاد بأن التشيّع ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، هو أنّ الشيعة لم يكونوا يمثلون في صدر الإسلام إلا جزءا ضئيلا من مجموع الأمة الإسلامية، وفي ذلك ما يشعر بأنّ التشيع هو الاستثناء، والظاهرة الطارئة التي يجب اكتشاف أسبابها من خلال تطورات المعارضة للوضع السائد؛ على حين أن اتخاذ الكثرة العددية والضآلة النسبية أساسا لتمييز القاعدة والاستثناء أو الأصل والانشقاق، ليس شيئا منطقيا، ولا يتفق مع طبيعة الانقسامات العقائدية؛ إذ كثيرا ما نلاحظ انقساما عقائديا في إطار رسالة واحدة، يقوم على أساس الاختلاف في تحديد بعض معالم تلك الرسالة، وقد لا يكون القسمان العقائديان متكافئين من الناحية العددية ولكنهما في أصلهما معبران بدرجة واحدة عن الرسالة المختلف بشأنها، ومن ثم فلا يجوز أن نبني تصوراتنا عن الانقسام العقائدي داخل إطار الرسالة الإسلامية إلى شيعة وغيرهم، على الناحية العددية [1] .

(1) - أضاف الدكتور عبد الجبار شرارة في تعليقه أن اعتبار الكثرة العددية في بيان الأصل والاستثناء لا يتسق مع منطق القرآن الكريم أيضا، وزعم أننا نجد القرآن غالبا ـ إن لم يكن دائما ـ يذمّ الكثرة في مواضع كثيرة جدا، كما نجده يمدح القلة في مواضع مثلها؛ منها: { وإنّ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسقُون } المائدة/ 49. { وَمَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ } يوسف/ 103. { وَلكِنَّ أَكثَرهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } النمل/ 73. { وَقَليلٌ مِن عبادِيَ الشَّكُورُ } سبأ/ 13. { أُوْلَئكَ المُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعيِم * ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ * وَقَليلٌ مِنَ الآخرِينَ } الواقعة/ 11: 14. وهو يرى في ذلك دلالة قرآنية على بطلان اعتماد معيار الكثرة لتقييم صحة الاتجاه، وصحة الرأي في مثل هذه الأُمور.

أقول: كثير من الشيعة المعاصرين يشيرون إلى ذلك ويعتمدون عليه، خاصة أولئك الشباب الذين يشاركون في منتديات الحوار الطائفي على شبكة الإنترنت؛ بل إن الشيخ محمد جواد مُغْنِيَة ليتخذ من ذم هذه الكثرة في مثل قول الله تعالى: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } الأنعام/ 116 ـ دليلا على أن الله ـ تعالى ـ قد أسقط رأي الأكثرية غيرَ المعصومِ، ولم يَكِل لأحد من المسلمين أمر اختيار الإمام .. راجع كتابه: الشيعة في الميزان ـ ص 16. وهذه الفكرة فكرة تقليدية عمد إلى تقريرها قدامى الشيعة في دفع الاحتجاج بقلة عددهم قبالة كثرة أهل السنة المنكرين لمذهبهم في الإمامة، وفي مبدأ أصول الكافي لأبي جعفر الكليني في رواية لهشام بن الحكم ذكر فيها تصريح الإمام أبي الحسن موسى الكاظم ـ عليه السلام ـ بذم الله ـ تعالى ـ للكثرة ومدحه للقلة في عدد من آي القرآن الكريم .. راجع أصول الكافي للكليني ـ 1/ 15 (كتاب العقل والجهل ـ حديث رقم 12) . وفي مناظرة لهشام بن الحكم مع أحد المعتزلة قال المعتزلي لهشام: الدليل على صحة معتقدنا وبطلان معتقدكم كثرتنا وقلتكم، مع كثرة أولاد علي وادعائهم. فقال هشام: لست إيانا أردت بهذا القول، إنما أردت الطعن على نوح ـ عليه السلام ـ حيث لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى النجاة ليلا ونهارا، وما آمن معه إلا قليل .. انظر محمد باقر المجلسي (ت1110هـ) بحار الأنوار ـ 43/ 401. وكذلك فعل الفضل بن شاذان في رده احتجاج أهل السنة بكثرتهم، كما في الإيضاح ـ ص 125، 126. ولجأ إليها الشيخ المفيد في دفع القول بثبوت الحق في جانب جمهور الصحابة الذين بايعوا الثلاثة قبل علي .. راجع له: الإفصاح في الإمامة ـ ص 42 (ضمن الجزء الثامن من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) .

وقررها كذلك المعتزلة في الدعوة إلى إعمال العقل وإبطال التقليد للكثرة لمجرد الكثرة .. راجع القاضي عبد الجبار المعتزلي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 61، 62. والمغني في أبواب التوحيد والعدل ـ 12/ 123.

والحق أن الكثرة المشار إليها بالذم في تلك الآيات وغيرها هي كثرة المعارضين للرسل؛ فالذين يسلمون للحق ويتبعون الرسل على الإيمان الصادق بما جاءوا به، قليلون بالقياس إلى الكثرة الضالة المعاندة المكذبة؛ لكن الحديث عن الكثرة والقلة في هذا المقام يختلف عنه إذا تحدثنا عن متبعي الحق في إطار الأمة الإسلامية المنصوص في القرآن الكريم على أنها خير الأمم، والمبين في السنة الصحيحة أنها أكثر الأمم عددا في الجنة، وأن كثرتها هذه موضع مباهاة وفخر ورضا لرسولها ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي قال فيما أخرجه البخاري في صحيحه ـ 5/ 2157، 2170 (كتاب الطب ـ باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو. وكرره في باب من لم يَرقِ. وهو في كتاب الرقاق بسياقة أخرى) ، وأخرجه مسلم في صحيحه ـ 1/199 (كتاب الإيمان ـ باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب) كلاهما يُسندان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا: «عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد. ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق؛ فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل لي: انظر. فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا. فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ...» . وفي صحيح مسلم ـ 1/ 188 (كتاب الإيمان ـ باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا) عن أنس بن مالك قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «أنا أول شفيع في الجنة. لم يُصَدّقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صُدِّقْتُ، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد» . ودون الخوض في تتبع ذكر هذه النصوص المستفيضة في دواوين السنة يمكننا أن نقول: إن الدلالة العامة لذلك أن أهل الحق والخير في هذه الأمة المسلمة أكثر منهم في غيرها، وأن أهل الزيغ والتقصير فيها أقل منهم في غيرها من الأمم السابقة. وقد صحت الأخبار بأن أهل السبق من أهل النجاة في هذه الأمة هم الصحابة في قرن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم الذين يلونهم ... انظر صحيح البخاري ـ 3/ 1335 كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ...، وانظر صحيح مسلم ـ 4/ 1962، وما بعدها. كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

... ويلتحق بأهل الفضل من كان على مثل ما كانوا عليه في الأصول والفروع بقدر ما يتاح لهم في المتابعة من المعرفة والإدراك في رتب متفاوتة، وهؤلاء هم أهل الجماعة كما سبق في الكلام عن حديث افتراق الأمة في مقدمة هذه الدراسة. وفي ضوء هذه النصوص الثابتة نفهم قول الله تعالى: { أُوْلَئكَ المُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعيِم * ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ * وَقَليلٌ مِنَ الآخرِينَ } الواقعة/ 11 ـ 14. وقد بين الحافظ ابن كثير في تفسيره ـ 4/ 285 أن القول الراجح في هذا المقام هو أن يكون المراد بقوله تعالى: { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ } أي من صدر هذه الأمة. { وَقَليلٌ مِنَ الآخرِينَ } أي من هذه الأمة. ثم قال: ولاشك أن أول كل أمة خير من آخرها فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .

هذا عن السابقين المقربين، وأما أهل اليمين أو المقتصدون في هذه الأمة؛ فهم: { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ * وَُثلَّةٌ مِنَ الآخرِينَ } الواقعة/ 39، 40. وفي تفسير ابن كثير ـ 4/ 295 نقل عن ابن جرير يإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ. وَُثلَّةٌ مِنَ الآخرِينَ } . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «هما جميعا من أمتي» . إلى أن يأتي آخر الزمان ـ وفق الصحيح الثابت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكبكة من الفتن يعود فيها الإسلام غريبا كما بدأ، حين يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، ولا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله .. انظر صحيح مسلم ـ 1/ 110، 131 كتاب الإيمان ـ باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن ـ وباب بيان أن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ، وأنه يأرز بين المسجدين ـ وباب ذهاب الإيمان آخر الزمان.

أما قوله تعالى: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } سبأ/ 13؛ فهذا مقام آخر، والشَّكُور في العباد الصالحين الشاكرين عزيز نادر، وحسبنا ما قاله العلامة أبو الفضل محمود الآلوسي في بيانه بروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ـ 22/ 120. ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، لبنان (ب. ت) . قال: قال ابن عباس: هو الذي يشكر على أحواله كلها ] وقد رُويَ مثلُ ذلك في بيان فعل سيدنا نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذي وصفه الله تعالى بأنه: { كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } الإسراء/ 3 [. وفي الكشاف هو: المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعترافا واعتقادا وكدحا في أكثر أوقاته. وقال السدي: هو من يشكر على الشكر. وقيل: من يرى عجزه عن الشكر؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية. وقد نظم هذا بعضُهم فقال:

إذا كان شُكري نعمةَ الله نعمةً ... عليَّ له في مثلها يَجبُ الشُّكرُ

فكيفَ بُلوغُ الشُّكرِ إلا بفَضله ... وإن طالت الأيامُ واتسعَ العمرُ

إذا مَسَّ بالنعمَاءِ عَمَّ سُرورُها ... وإن مَسَّ بالضرَّاءِ أَعقَبَها الأَجرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت