الصفحة 9 من 51

كما كان مالك رحمه الله لا يستجم في وقت تحسن فيه الراحة إن وجد في ذلك الوقت فرصة للطلب لا يجدها في غيره، قال رحمه الله: «شهدت العيد، فقلت: هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب، فسمعتها تقول له: هو ذاك الأشقر مالك. قال: أدخليه. فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا، قال: هل أكلت شيئًا؟ قلت: لا، قال: أتريد طعامًا؟ قلت: لا حاجة لي فيه. قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني، قال: هات، فأخرجت ألواحي، فحدثني بأربعين حديثًا، فقلت: زدني، قال: حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ، قلت: قد رويتها، فجذب الألواح من يدي، ثم قال: حدث، فحدثته بها، فردها إلي وقال: قم، أنت من أوعية العلم» .

وأخذ الإمام أيضًا عن نافع مولى ابن عمر فانتفع بعلمه كثيرًا، يقول الإمام مالك في ذلك: «كنت آتيه نصف النهار وما تظلني شجرة من شمس أتحين خروجهُ، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أره، ثم أتعرض له فأسلم عليه، حتى إذا دخل، أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني» .

وهكذا نجد أن مالكًا لم يدخر جهدًا في طلب العلم كما أنه لم يدخر في سبيلهِ مالًا، حتى لقد قال تلميذه ابن القاسم: «أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا من بعد» .

ولما نضج فكر مالك رحمه الله واستوت رجولته جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للدرس والإفتاء، وذلك بعد أن استوثق من رأي شيوخه فيه وإقرارهم بأنه لذلك أهل، ولقد قال رحمه الله: «ما جلست للحديث والفتيا حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك - ومنهم الزُهري وربيعة -» . وكان يردد كلمته الرائعة: «لا خير فيمن يرى نفسه في حال لا يراه الناس لها أهلًا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت