نشأ الإمام مالك في بيت مجد من بيوت العلم، فجده مالك بن أبي عامر كان من كبار التابعين وعلمائهم، وشارك هذا الجد المبارك في مهمة دينية رسمية، وهي مهمة كتابة المصاحف في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان مالك الجد ممن كتبوها، في حين لم يكن يندب في ذلك العهد لهذه المهمة إلا أشخاص بارزون.
وكان النضر -أخو الإمام مالك- ملازمًا للعلماء، يتلقى عليهم، حتى إن مالكًا حين لازمهم كان يعرف بأخي النضر، فلما ذاع أمر مالك بين شيوخه، صار يُذكر بأن النضر أخو مالك.
ولقد كانت البيئة العامة للبلد الذي عاش فيه توعز بالعرفان وتنمي المواهب، إذ هي مدينة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، موطن الشرع ومبعث النور ومعقد الحكم الإسلامي الأول، ومرجع العلماء في العصر الأموي الأول، حتى إن ابن مسعود كان يُسأل عن الأمر في العراق فيفتي، فإذا رجع إلى المدينة ووجد ما يخالفه لا يحط عن راحلته حتى يرجع فيخبر من أفتى.
في ظل هذه البيئة الخاصة والعامة نشأ مالك، فحفظ القرآن في صدر حياته، ثم اتجه بعد ذلك إلى حفظ الحديث، وجالس العلماء.
طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
كان الإمام مالك رحمه الله دءوبًا على طلب العلم وصرف نفسه إليه في جد ونشاط وصبر، يترقب أوقات خروج العلماء من منازلهم إلى المسجد، وقد حدث الإمام مالك عن نفسه فقال: «إنه انقطع إلى ابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره» ، وإنه كان يلازمه من بكرة النهار إلى الليل، وقد رأى فيه ابن هرمز النجابة وتنبأ له بمستقبل زاهر، فقد قال لجاريته يومًا: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكًا، فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر، فقال: «ادعيه؛ فذلك عالم الناس» .