وبعث المعتصم علماءه وقواده يناظرونه، فكان يرفض الدخول في المناظرة ويأبى الموافقة إلا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل إلى حضرة المعتصم، وجرت المناقشة أمامه، فكان يصر على هذا الرد ويقول: «أعطوني شيئًا من كتاب الله أو من سنة رسوله» ، وجربوا أنواع الترغيب بالعطايا والمناصب، وأنواع الترهيب بالتعذيب الشديد، فلم يؤثر ذلك فيه أثرًا.
وبعثوا إليه بالعلماء يأتونه من باب التقية، فكان يقول لهم: «إن من قبلنا كانوا ينشرون بالمنشار فلا يرجعون» ، وأظهر مرة أنه لا يخاف السجن، ولكن يخاف الضرب، يخشى أن لا يحتمل فتهزم فكرته، فقال له أحد اللصوص وكان معه في السجن: «أنا ضربت عشرين مرة، يبلغ مجموعها آلاف الأسواط، فاحتملتها في سبيل الدنيا، وأنت تخاف أسواطًا في سبيل الله، إنما هما سوطان أو ثلاثة ثم لا تحس شيئًا» ، فهوَّن ذلك عليه.
ولما عجز المعتصم نصب آلة التعذيب ومدوه عليها وضربوه، فانخلعت كتفه من الضربة الأولى، وانبثق من ظهره الدم، فقام إليه المعتصم يقول: يا أحمد! قل هذه الكلمة وأنا أفك عنك بيدي وأعطيك وأعطيك، وهو يقول: هاتوا آية أو حديثًا.
فقال المعتصم للجلاد: شد قطع الله يدك. فضربه أخرى فتناثر لحمه.
وقال له المعتصم: لماذا تقتل نفسك؟ مَن مِن أصحابك فعل هذا؟
وقال له أحد العلماء وهو المروزي: ألم يقل الله تعالى: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ) ) [النساء:29] [النساء:29] فقال أحمد رحمه الله: يا مروزي! فانظر أي شيء وراء الباب، فخرج إلى صحن القصر فإذا جمع لا يحصيهم إلا الله معهم الدفاتر والأقلام، فقال: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننظر ما يجيب به أحمد فنكتبه. فرجع، فقال: يا مروزي! أنا أضلّ هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم!