-أما الصفة الخامسة التي امتاز بها الإمام أحمد، وجعلت لدروسه وكلامه موقعًا من نفوس سامعيه لا تزول، فهي: الهيبة؛ فقد كان مهيبًا وقورًا، وكان الناس مدفوعين إلى إجلاله وتهيبه، شأن (من تواضع للّه رفعه الله) يقول أحد معاصريه: «دخلت على إسحاق بن إبراهيم، وفلان وفلان من السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرت إليه أكلمه في شيء، فوقعت علي الرعدة حين رأيته من هيبته» .
محنته:
بدأت المحنة سنة (218هـ) بورود كتاب المأمون على عامله في بغداد أن يجمع العلماء من قضاة وخطباء، ويسألهم عن القرآن، فمن لم يقل إنه مخلوق عزله، وامتثل الوالي أمر الخليفة، فجمع العلماء، فأقروا جميعًا إلا أربعة منهم، فلجأ إلى الشدة، وأمر بوضعهم في الحبس وإثقالهم بقيود الحديد، فوافق اثنان، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فأمر المأمون بحملهما إليه، فشدهما الوالي في الحديد ووجههما إليه، وتوفي المأمون قبل أن يصلوا إليه، وهو بالرقة، كما توفي ابن نوح في الطريق، فبقي أحمد رحمه الله وحده.
وولي المعتصم، وكان رجلًا قوي الجسم، يستطيع أن يصارع أسدًا، ولكنه كان ضعيف العلم لا يستطيع أن يناظر أحدًا، وكان يجلّ أخاه المأمون ويراه مثله الأعلى، فسار على طريقته.
لبث الإمام أحمد في السجن، وبلغ به الضعف كل مبلغ، ومع ذلك فقد كان دائم العبادة، حاضرًا مع الله، حدث ابنه بأن الإمام أحمد قرأ عليه كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، وبأنه رآه يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم.