الصفحة 19 من 51

وبهذا التضييق الذي سلكه في شأن نفسه، كان لا يأكل إلا من كسب يده، أو من غلة عقار ورثه، ويلقى في سبيل ذلك العناء الشديد، والحرمان من كثير من طيبات الحياة، ولهذا كان زاهدًا، ولكنه زهد ليس أساسه الرغبة عن طيبات الحياة؛ بل أساسه طلب الحلال، ولكن لا يطلبه من مال فيه شبهة؛ بل من مال يناله من غير أن تصاب النفس في نزاهتها أو عزتها، ومن غير أن يلجأ في ذلك إلى أحد من العباد.

وقد كان يضطر في بعض الأحيان أن يؤجر نفسه للحمل في الطريق وهو إمام المسلمين يومئذ.

وقد ابتلي في أيام المتوكل بالإقبال والصلات والجوائز، كما ابتلي في أيام المعتصم بالتعذيب والصرم والقسوة، وكان في كليهما صابرًا عفيفًا نزيهًا، وكانت الأولى أشد عليه من الأخرى، وقد ثبت على عفافه وزهده وعزوفه عن أموال السلطان، وله في ذلك أخبار غريبة.

ويروى أن وزير المتوكل كتب إليه: «إن أمير المؤمنين قد وجه إليك جائزة، ويأمرك بالخروج إليه، فالله الله أن تستعفي، أو ترد المال، فيتسع القول لمن يبغضك» ، فيضطر أحمد رحمه الله ليبدد ظلمات السعاية إلى القبول، ولكنه لا يمسه، ويأمر ولده صالحًا أن يأخذه ثم يوزعه في اليوم التالي على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من أهل التحمل والحاجة، وكأنه يرى أنهم أولى بمال المسلمين منه، وقد حرموا عطاءهم.

-والصفة الرابعة من صفات الإمام أحمد هي: الإخلاص، والإخلاص في طلب الحقيقة ينقي النفس من أدران الغرض، فتستنير البصيرة، ويستقيم الإدراك، ويشرق القلب بنور المعرفة وهداية الحق، ولهذا كان أحمد رحمه الله يتجنب الرياء ويبالغ في الابتعاد عنه، وكان يؤثر أن لا يسمع به أحد، فكان يقول: «أريد النزول بمكة ألقي نفسي في شعب من تلك الشعاب حتى لا أعرف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت