اتجه أحمد رحمه الله إلى طلب العلم الذي وجهته أسرته إليه، واستقام ذلك التوجيه مع نزوعه الخاص، وبذلك تلاقت ميوله مع الوجهة التي وجه إليها، وكانت بغداد آنذاك حاضرة العالم الإسلامي، فاختار الإِمام أحمد في صدر حياته رجال الحديث ومسلكهم، فاتجه إليهم أول اتجاهه، ويظهر أنه قبل أن يتجه إلى المحدثين راد طريق الفقهاء الذين جمعوا بين الرأي والحديث، فيروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد قال: «أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف» . ولكنه مال من بعد إلى المحدثين الذين انصرفوا بجملتهم للحديث، وبقي يتلقى الحديث بغداد من سنة (179هـ) إلى سنة (186هـ) ، ولزم عالمًا كبيرًا من علماء الحديث والآثار ببغداد أربع سنوات، وهو هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي (المتوفى سنة 183هـ) ، وكانت سنه عند الملازمة حوالي ست عشرة سنة، وكتب الإِمام أحمد عنه كتاب الحج وبعضًا من التفسير وكتاب القضاء وكتبًا صغارًا.
صفاته:
اتصف أحمد رحمه الله بصفات كانت هي السبب في هذه الشهرة التي اكتسبها، وفي ذلك العلم الغزير الذي خلفه من بعده.
أول هذه الصفات: الحافظة القوية الواعية، وهي صفة عامة المحدثين، وأهل الإمامة منهم بشكل خاص، ولقد شهد بقوة حفظه وضبطه معاصروه حتى عدَّ أحفظهم.
والصفة الثانية، وهي أبرز صفات أحمد رحمه الله، وهي التي أذاعت ذكره: صفة الصبر والجلد وقوة الاحتمال، وهي مجموعة من السجايا الكريمة، أساسها قوة الإرادة، وصدق العزيمة، وبعد الهمة، وهذه الصفة هي التي جعلته يحتمل ما يحتمل في طلب العلم، غير وانٍ ولا راضٍ بالقليل منه.
-أما الصفة الثالثة من صفات الإمام أحمد التي امتاز بها فهي: النزاهة بأدق معانيها، ولقد دفعته عفة النفس ونزاهتها أن يترك بعض الحلال، وأن يمتنع عن قبول عطاء الخلفاء، مع تصريحه لبعض أولاده بأنه حلال يصح الحج منه، وأنه يتركه تنزيهًا للنفس لا تحريمًا.