الصفحة 14 من 51

وكان العلماء والفقهاء في ذلك العصر يشدون الرحال إلى المدينة ليروا عالمها المشهور مالك بن أنس رحمه الله، وكان مالك صاحب مجلس في الحرم النبوي، لم يطرق الخلفاء بابه، ويحسبون حسابه، وطرقت أخبار الإمام مالك أسماع عالمنا الشافعي، فاشتاق لرؤيته، وتلهف لسماع علمه، فحفظ كتابه الموطأ ورحل إلى يثرب، وهناك لم يستطع أن يظفر بالوصول إلى باب مالك إلا بعد لأي وجهد، فنظر إليه مالك، وكانت له فراسة، فقال له: «يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي، فسيكون لك شأن من الشأن» ، وفي رواية: «إن الله عز وجل ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعاصي» ، ثم قال له: «إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء من يقرأ لك» قال الشافعي: «فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظًا، والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى! زد، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. وقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام» ، وبعد أن قرأ على مالك موطأه، لزمه يتفقه عليه ويدارسه المسائل التي يفتي بها الإمام الجليل، وتوطدت الصلة بينه وبين شيخه، فكان مالك يقول: «ما أتاني قرشي أفهم من هذا الفتى» ، وكان الشافعي يقول: «إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك» .

عبادته وأخلاقه:

كان رحمه الله كثير العبادة، فكان يقسم الليل إلى ثلاثة أقسام: ثلث للعلم، وثلث للنوم، وثلث للعبادة. وكان يقف بين يدي ربه فيصلي ويقرأ، وعيناه تفيضان بدمع غزير خشية التقصير. وقد كان رحمه الله يرى نفسه -لشدة تواضعه- من أهل المعاصي، وفي ذلك يقول:

أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من بضاعته المعاصي ... وإن كنا سواء في البضاعة

يقول هذا وهو الذي يصفونه بأنه: «لم تعرف له صبوة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت