نشأ الشافعي في مكة وعاش فيها مع علو وشرف نسبه عيشة اليتامى والفقراء، والنشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يشب على خلق قويم ومسلك كريم، فعلو النسب يجعله يتجه إلى معالي الأمور، والفقر يجعله يشعر بأحاسيس الناس ودخائل مجتمعهم، وهو أمر ضروري لكل من يتصدى لعمل يتعلق بالمجتمع.
طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
حفظ الشافعي القرآن وهو ابن سبع سنين، وجوّده على مقرئ مكة الكبير إسماعيل بن قسطنطين، وأخذ تفسيره من علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم اتجه بعد حفظه القرآن لاستحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أولع منذ حداثة سنه بالعربية، فرحل إلى البادية يطلب النحو والأدب والشعر واللغة، ولازم هُذيلًا عشر سنوات يتعلم كلامها وفنون أدبها، وكانت أفصح العرب، فبرز ونبغ في اللغة العربية وهو غلام.
قال الأصمعي -ومكانته في اللغة مكانته-: «صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس» وفي مكة كان يتردد على المسجد يسمع من العلماء بشغف شديد، وكان في ضيق العيش بحيث لا يجد ثمن الورق الذي يدون عليه، فكان يعمد إلى التقاط العظام والخزف والدفوف ونحوها ليكتب عليها، وكان يقول: «ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب ثمن القراطيس فتعسر علي» .