وقد اختص الله تعالى عالمنا بالعناية، فكان له صوت عميق التأثير، يخرج من قلب منير، زادته العبادة المتواصلة والمحبة الشديدة نورًا وتأثيرًا وسحرًا، وكان مولعًا بالقرآن وصحبته، فكان يختم في كل نهار وليلة ختمة، وفي رمضان كان يختم كل نهار ختمة وكل ليلة ختمة. وكان إذا قرأ القرآن بكى وأبكى سامعيه، روى أحد معاصريه: «كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة» .
وكان رحمه الله مستقيمًا على الشرع إلى أقصى الحدود، وكان كريمًا ذا مروءة وخلق رفيع، شأنه شأن آل البيت، سخيًا يقبل على الفقراء ويعطي عطاء من لا يخاف عيلة، وفي هذا تروى الأعاجيب عنه.
ومن أقواله: «للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك» . ومما تميز به شدة حيائه وخجله، حتى نقل عنه أنه كان يحمر وجهه حياء إذا سئل ما ليس عنده.
محنته:
اتهم الشافعي رحمه الله بالتشيع، وحيكت له المؤامرات في قصر الخليفة هارون الرشيد، حتى بعث في طلبه، وسيق وهو في الرابعة والثلاثين من عمره في أقياده مع تسعة من العلويين إلى الرشيد، وهناك ضربت رقاب العلوية التسعة أمام الشافعي واحدًا بعد آخر، حتى جاء دوره، وكان محمد بن الحسن القاضي عند هارون الرشيد حاضرًا، واستطاع الشافعي بذكائه وسرعة خاطره أن يستميل إليه قلب الخليفة وعقله، وأن يقنعه ببراءته، وأسلمه الخليفة للقاضي محمد بن الحسن، وكان العلم رحمًا بين أهله، ودافع عنه القاضي وساهم في خلاصه، وقال فيه: «وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه»
وبرئت ساحة المتهم، وأمر له الرشيد بعطاء قدره خمسون ألفًا، أخذها الشافعي وانثالث كلها من بين يديه عطايا على باب الرشيد.
مرضه ووفاته: