ولمكانة الإمام مالك في قلوب المسلمين اهتزت جنبات المدينة المنورة، وثار الناس وهاجوا، فخاف الخليفة ثورة أهل الحجاز، فأرسل للإمام مالك يستقدمه إلى العراق، فاعتذر الإمام مالك، فطلب إليه الخليفة أن يقابله في منى في موسم الحج، فلما دخل الإمام على الخليفة، نزل المنصور من مجلسه إلى البساط، ورحب بالإمام وقربه، وقال يعتذر إليه عن ضربه وإيذائه: «والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله! ما أمرت بالذي كان، ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إذ بلغني. يا أبا عبد الله! لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانًا لهم من عذاب الله وسطوته، ولقد رفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، وقد أمرت أن يؤتى بجعفر - الوالي - عدو الله من المدينة على قتب، وأمرت بضيق محبسه، والمبالغة في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه» .
فرد الإمام مالك رحمه الله: «عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابته منك» .
كتبه:
كان المجتهدون في عصر الصحابة يمتنعون عن تدوين فتاويهم؛ ليبقى المدوَّن من أصول الدين كتابُ الله وحده، ثم اضطر العلماء لتدوين السنة وتدوين الفتوى والفقه، إلا أن هذه المجموعات لم تكن كتبًا بل كانت أشبه بالمذكرات الخاصة، وكان أقدم مؤلف هو موطأ الإمام مالك رحمه الله.
وهو كتاب ألفه الإِمام مالك جمع فيه الصحاح من الأحاديث والأخبار والآثار، وفتاوى الصحابة والتابعين، وذكر الرأي الذي يراه. وقد ألفه في أربعين سنة، وذلك ما يدلنا على مدى مجهوده فيه، وبحسب كتاب الموطأ أن يقول فيه الإِمام الشافعي رحمه الله: «ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك» ، وقال الإِمام النسائي: «ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك ولا أجل منه ولا أوثق، ولا آمن على الحديث، ولا أقل رواية عن الضعفاء» .
مرضه ووفاته: