وقد كانت أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ممن يؤيد موقفه، كما يدل على ذلك الحوار الرائع.. قال عبد الله لأمه: «يا أمّه، قد خذلني الناس حتّى ولدي وأهلي، فلم يبقَ إلّا اليسير، من ليس عنده من الدفع إلّا صبر ساعة. والقوم يعطونني من الدنيا.. فما رأيك؟» . فقالت: «أنت والله يا بني أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أميّة، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، ومن قتل معك. فإن قلت: إنّي كنت على حقّ فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن» . فدنا ابن الزبير، فقبّل رأسها، وقال: «هذا رأيي، ولكنّي أحببت أن أعلم رأيك، فزديني بصيرة، فانظري يا أمّه، إنّي مقتول من يومي هذا، فلا يشتدّ حزنك، وسلّمي لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد.
اللهمّ، إنّي لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن تعزية لأمّي لتسلو عنّي».
فقالت أمّه: «إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنًا. اخرج، حتّى أنظر إلى ما يصير أمرك» . قال: «يا أمّه، لا تدعي لي الدعاء قبل وبعد» . قالت: «لا أدعه أبدًا» .
ثمّ قالت: «اللهمّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكّة، وبرّه بأبيه وبي. اللهمّ إني قد أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فائتني في عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين» . ثمّ دنا عبد الله فقبّلها [31] .
3-من عارض في ذلك: