وذلك بعدم الخوض في الأمور الغيبيَّة التي لا مجال للعقل في معرفتها، فنحن لا ننكر دور العقل؛ فهو مناط التكليف، ولكن نضعه من المكانة حيث وضَعَه الشرعُ.
فهو - كما قال ابن تيمية عنه:"شرطٌ في معرفة العلوم، وكمالِ وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل؛ لكنه ليس مستقلاًّ بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإنِ اتَّصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه، لم يبصر الأمور التي يعجِز وحده عن دركها، وإن عُزل بالكلية، كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة ووجد وذوق، كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوالُ الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يَعجِز العقلُ عن دركه، لم تأتِ بما يُعلم بالعقل امتناعُه" [23] .
• القاعدة السادسة: عدم تقديم مقالات مبتدعة، ومقدمات عقلية، وجعلها حاكمة على النص:
لم يكن السلف يتلقَّون النصوص ومعهم مقدماتٌ عقلية يحاكمون النصوصَ إليها، كما فعلت المعتزلة وغيرهم، الذين وضعوا مقالاتٍ مبتدعةً، ووصفوها بأنها أصول عقلية، ثم جاؤوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، فما وجدوه مخالفًا لشيء من مقالاتهم، أوَّلوه أو أنكروا الاحتجاج به، وقدَّموا عليه مقالاتِهم وأقوالَ أئمتهم، وجعلوا كتابَ الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وراءهم ظِهْرِيًّا.
يقول ابن تيمية واصفًا أهلَ السنة والجماعة:"ولا ينصرون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل يجعلون ما بُعث به الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة، هو الأصلَ الذي يعتقدونه ويعتمدونه" [24] .