ثم إن الجمود على التفاسير والتعبُد بأقوال المفسِّرين هو في حدِّ ذاته نوع من التقليد في الدين والعقيدة وهو حرام بنص القرآن الذي قال: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف/23] . ولما كان الفرار من التقليد والتخلي عن الأفكار المسبقة أمرًا صعبًا، لذا توجهت إلى مسبب الأسباب ومسهل الأمور الصعاب، فوفَّقني الله بحمده لكشف أمر هام وفتح أمامي طريقًا لفهم الدين وتدبر القرآن المبين وهو وجوب أخذ الدين من السلف لا من الخلف، وبعبارة أوضح لا بد أن نرى كيف كان فهم مسلمي الصدر الأول للقرآن وأي دين كان لدى المسلمين قبل أن تنشأ الفلسفة والتصوف والأشعرية والاعتزال؟ أما لو قام من يريد أن يتدبر القرآن بفهم القرآن من كتابات الخلف - لا سمح الله- ولم يولي أي عناية لفهم السلف الصالح فإنه سيقع أسيرًا بلا ريب لإحدى تلك الفرق، نعوذ بالله من الضلال.
بعد أن تفطنت لهذا المعنى وهداني الله إلى طريق الصواب قَطَعْتُ -بحول الله وقوَّته- مرَّةً وإلى الأبد قيود التقليد ومزَّقْتُ حُجُبُ التعصُّب والأوهام، وألقيتُ عن كاهلي حِمْلَ الخرافات الثقيل، وأخذتُ -بعناية الله -الدينَ عن السلف الصالح واهتديتُ بخير الحديث كتابِ اللهِ تعالى واهتديت بهداية القرآن، وقلتُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ...} [الأعراف/43] .