والتدبُّر في القرآن يعتمد على تحصيل مقدمات مثل البحث في أحوال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة لغة العرب زمن الجاهلية ومعرفة أسباب نزول الآيات والاطلاع على أحوال العرب في عصر الرسالة والرجوع إلى تفاسير السلف الصالح، وقد بذلتُ جهودًا مُضنيةً في تحصيل هذه المقدمات وطالعتُ الكتب المدونة التي تتعلق بهذه الموضوعات، فرأيت أن هذه المقدمات لا تكفي لفهم القرآن بل لا بد من أن يبتعد الإنسان بنفسه عن كل تقليد وأن يدع كل تعصب جانبًا وأن لا يتلقَّى فهم القرآن وتفسيره من مفسري الفرق الذين اتخذ كل منهم عقيدة ومذهبًا ورأيًا وذلك لأن مذاهب الإسلام المختلفة إنما نشأت بعد القرن الثاني وفسَّر كل واحد من أتباعها القرآنَ بما يوافق مذهبه وهواه، فإذا أراد الإنسان أن يفهم القرآن من هذه التفاسير المختلفة وقع في حيرة وضياع، فواحد منهم معتزليّ وآخر أشعريّ وثالث باطنيّ وآخر من الغلاة وَمُفسِِّرٌ جُهَمِيّ وآخرُ ظاهريٌّ ومفسِّرٌ زيديٌّ وآخرُ إسماعيليٌّ وَمُفسِِّرٌ أخباريٌّ وآخرُ أصوليٌّ، وَمُفسِِّرٌ صوفيٌّ وآخرُ فلسفيٌّ وَمُفسِِّرٌ قاديانيٌّ وآخر مُرجئيُّ وغير ذلك وبينهم اختلافات كثيرة في فهم الآيات وتفسيرها إلى درجة أنه لو أراد أحد أن يبني عقيدته ورأيه على هذه التفاسير لتاه واحتار وضاع في متاهات الضلال، وربما جرّه هذا الضياع -نعوذ بالله- إلى الإلحاد والخروج من الدين!.