القصد من تحرير هذه الرسالة بيان سبب انحطاط حال المسلمين، حيث يعلم أولو الألباب وذوو البصائر أن المسلمين كانوا حتى ألف ومئتي عام بعد الإسلام أصحاب قدرة وشوكة، أسيادًا مستقلين في أوطانهم يبسطون سيطرتهم الكاملة على بلدانهم التي كانت تمتد من المحيط الأطلسي غربًا حتى تخوم الصين شرقًا، تُدارُ وَتُحْكَمُ بالسياسة الإسلامية، وأنهم كانوا في تلك العصور متفوقين في قوتهم على أغلب السلاطين والحكومات المعاصرة لهم أو على الأقلّ مساوين لهم في الدرجة.
نعم، هناك بعض طوائف البشر تعيش في بعض جزر أفريقيا وبعض نواحي الدنيا النائية يحكمها قانون الغاب وتعيش مستقلةً داخل مناطقها مثل شعوب أستراليا الأصليين وأهالي جزر جاوا وبحر أفريقيا ومناطق في أمريكا وغيرها. إن خضوع أمثال هذه الشعوب والقبائل لسيطرة الدول القوية ليس بالأمر العجيب لأنها كانت تعيش دون أي قانون وأساس لنظام يحكمها أو يدعوها لحكم غيرها، بل ربما كانت تبعيتها للدول ذات النظام والقانون أفضل لها لأنها تؤدي إلى انتظام أمرها ورقيها ورفاهيتها. أما المسلمون فليسوا مثل أولئك القبائل، لأن حكم وسيادة المسلمين على معظم العالم القديم إنما كان يرتكز إلى قاعدة سياسة الإسلام ونظامه.
فماذا حصل وماذا فعل المسلمون حتى تقدموا وارتقوا فيما مضى وماذا فقدوا أو ماذا فعلوا حتى انحطّت أحوالهم وانحدرت منزلتهم؟ إن توضيح هذا الأمر يحتاج إلى مجموعة من المقدمات ثم الفصول وهو مقصد رسالتنا هذه.