الغرض من هذه الرسالة بيان موضوع حكومة المسلمين وسيادتهم بشكل عام، ولن نتعرض فيها لخصوصيات الفرق الإسلامية، فقد كتب علماء كل فرقة كتبًا ورسائل عديدة في بيان وشرح حقيقة مذهبهم وبطلان مذاهب الفرق الإسلامية الأخرى وبذلوا جهدًا كبيرًا في ذلك الأمر، ولعل هذا أحد أسباب انحدار الأمة الإسلامية بل هو أحد أسبابه يقينًا، فقد جَرَتْ بعض الأقلام بكثيرٍ من الكلام المفرط والجُزاف [1] في هذا المجال، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى عندما ينحصر فكر الكُتَّاب والمفكِّرين واهتمامهم في كتب ومضامين فرقتهم الخاصّة والدفاع عن عقائدها فإن بقية قضايا المجتمع الإسلامي تصبح منسية، أما لو اهتم الكُتَّاب بجوانب المجتمع الإسلامي الأساسية وما يتضمنه القرآن المجيد من تعاليم في هذا المجال لما جاءت كتاباتهم وما جرت به أقلامهم مخالفةً للمنطق ومنافيةً لأسس الإسلام، بل اقترنت بدلا من ذلك بالحقيقة، لأننا نجد أن هناك في جميع بلدان الإسلام، سواءً تلك الواقعة تحت نفوذ الأجانب وسيطرتهم كالهند والجزائر وتركستان وبلاد القوقاز وغيرها أم تلك التي تتمتع بشيءٍ من الاستقلال الصوري الظاهري مثل بعض المناطق الأخرى من بلاد المسلمين، دعايات علنية ضد الإسلام يقوم بها أتباع الأديان القديمة أو الجديدة أو الماديون الطبيعيون (الملاحدة) ، ونجد خروج كثيرٍ من المسلمين تدريجيًا من دائرة الإسلام أو فساد عقيدتهم أو تحوّلهم إلى دين آخر على أثر تلك الدعايات.
ولا شك أن هذه الأوضاع تؤدي إلى تضاؤل عدد المسلمين الحقيقيين كما هو مشاهد ومحسوس.
(1) الكلام الجُزاف: الكلام الذي تُجْهل حقيقته ويُقال جُزافًا دون دليل. (قال في لسان العرب: الجِزافُ والجَزْفُ: المَجْهولُ القَدْر، مَكِيلا كان أَو مَوْزونًا) .