كنت أشعر أن طالبًا شيعيا بسيطًا مثلي لا يستطيع أبدًا أن يفحم علماء السنة بهذه السهولة، وكنت أرى في عيون هؤلاء العلماء أنهم يملكون أجوبة، وأن في رؤوسهم الشيء الكثير، لكنهم لا يبدونه.
ولعل رفقائي كذلك كانوا يدركون مثلي تمامًا، أن سكوت علماء السنة كان راجعًا إلى أمرين لم يرد أحد من أصحاب الضجيج الإعلامي أن يشير إليهما:
أـ أن الجو بالنسبة لهم لم يكن مساعدا، فهم كانوا كالصيد في شبكة الصياد، أحضروا من مناطقهم البعيدة إلى قم في وسط جو شيعي يهتف فيه كل شيء للخصم المناظر، ثم إنهم شعروا بالكاميرات وعدسات التصوير التي تصور وتسجل كل كلمة يتفوهون بها، فلم يكونوا يرغبون أن يدخلوا في النقاش وأن يجادلونا فيما نقول ، ولم يكونوا يتطرقون إلى المسائل الاعتقادية إلا مكرهين.
ب ـ ثم إنهم لم يكونوا على استعداد للبرنامج ، ويبدو أنهم أرغموا فيها دون أن يعرفوا عن الموضوع وعن السبب الذي من أجله أحضروا إلى قم ، فلما وجدوا أنفسهم في ساحة مناظرة أخذ الخصم فيه عدته كاملة ، حاولوا ألا يخرج من أفواههم كلمة قد يعاتبون عليها.
فما كانت تقوله الجرائد والمجالس ، وما كنَّا نزعمه من إفحامهم وانتصارنا عليهم ، كانت مجرد حركة دعائية ليست لها من الواقع شيء.
فهم كانوا يفضلون الصمت خوفًا على أنفسهم، تمامًا كالفريسة بين مخالب العقاب، فأية حركة منها قد تؤدي بها إلى التهلكة والسقوط في الشعاب الموحشة!
كنت أرى في قرارة نفسي أن هذه الجلسة أو المناظرة وما تبعها من التضخيم الإعلامي والنفخ فيها في قم لم يكن لمجرد إبراز العضلات ، وإنما كان برنامجًا دعائيًا إعلاميًا، يستغل جميع الأدوات الدعائية والفنية في صناعة بانوراما إعلامي ضخم ينتصر للمذهب الشيعي ، ويحرض الناس للاعتناق به.