فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 127

ما أريد أن أقوله هنا هو أن أسرتنا كانت مزيجا من ثقافتين مختلفتين، بل متناقضتين تماما، أو بعبارة أخرى حضارتين متعارضتين، وأفكار تناقض بعضها بعضا، وعادات وتقاليد لا تستطيع أن تهضم بعضهابعضا ، تجمعت تحت سقف واحد ، فعائلة الأب كانت رمزا للرؤية الغربية والانحلالية للحياة ، وعائلة الأم على رأس الهرم في الالتزام بالتقاليد والعادات المذهبية الجوفاء ..وكانت تحاول جاهدة أن تتفاهم رغم كل هذه التناقضات !

لم نكن نعاني من أي ضيق اقتصادي، بل كنَّا نعيش في مرح وحب ، ولا ينقصنا شيء من متع الحياة ولا من الحب والحنان .

مما لاشك فيه أن من أماني كل أب وكل أم أن يعيش أولادهم في سعادة وصحة ، وأن يوفقوا في الحياة، وكانت هذه أمنية والديَّ كذلك ، كان والدي وأسرته الكبيرة يتمنون أن أصبح طبيبًا متخصصًا مشهورًالكن أسرة والدتي كانت تحرص وتصر على أن أصبح عالم دين.

وإن كنت اليوم مطرودا من والديَّ وأسرتي وقد نبذوني بعيدا عنهم، لكنني لا أستطيع أن أنسى تلك القبلات الحارة التي كانت تترجم حنان والدتي العزيزة على خدي، ولا تلك النظرات التي كانت تمتلئ حبا وحنانا من عيون والدي العزيز، ويعلم الله - عز وجل -أن لهما مكانا في صدري وأن قلبي يعتز بحبهما بعد حب الله - عز وجل -والعشق لعقيدتي وإيماني، وأنني أحبهما حب الولد البار لوالديه، حب ابن يحترق حزنا وألما وهو يرى والديه ينكران ويجحدان الحق الذي معه .

وإنني آسف جدا إذ أصبحت سببا في أن يترك والدي بلدهما للأبد واعتذر منهما أشد الاعتذار.

من الصبا إلى البلوغ

لم أزل أذكر يوم أن غادر والدي البلد ـ في الظاهرـ لإكمال دراسته وللحصول على شهادة التخصص في الطب، وفي الواقع هروبًا من الجو الذي اختلقه له زميله وصديقه السابق الدكتور حكاكيان من تشويه لسمعته وبث الإشاعات والافتراءات عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت