أمَّا مدى صحة ما في هذه المدونات في نظر هذه الطَّائفة، فهم في هذا فريقان: صنف يرى صحتها، ويقطع بثبوت كُلِّ حرف فيها عن الأئمة، وهم الإخباريُّون، وفريق يرى أنَّ فيها الصحيح وغيره وهم الأصوليُّون المجتهدون كما يسمونهم، يُبيِّن ذلك شيخهم المامقاني، فيقول:"إنَّ كونَ مجموع ما بين دفتي كلِّ واحد من الكتب الأربعة من حيثُ المجموعُ متواترًا - مِمَّا لا يعتريه شك ولا شبهة، بل هي عند التأمُّل فوق حد التواتر؛ ولكن هل هي متواترة بالنسبة إلى خصوص كل حديث؟ وبعبارة أخرى: هل كل حديث وكلمة بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابيَّة والبنائية، وبهذا الترتيب للكلمات والحروف على القطع أو لا؟ فالمعروف بين أصحابنا المجتهدين الثاني كما هو قضية عدَّها أخبار آحاد، واعتبارهم صحة سندها أو ما يقوم مقام الصحة، وجُلُّ الإخبار على الأول كما يقتضيه قولهم بوجوب العمل بالعلم، وأنَّها قطعية الصُّدور عن الأئمة" [36] .
أما الأصوليُّون الذين يطبقون الاصطلاح الجديد على مرويَّات الشيعة وكتبهم، فلهم نظرة مختلفة في قَبول أخبار كتب الحديث الشِّيعيَّة، والحكم عليها وعلى أحوال رواتها، والنظر لوجوه الاختلاف فيها، فيقول شيخ الشيعة وإمامهم في زمانه، جعفر النجفي:"والمحمدون الثلاثة كيف يعوَّل في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذِّب روايةَ بعض، ورواياتهم بعضها يضاد بعضًا؟! ثم إن كتبَهم قد اشتملت على أخبار يُقطع بكذبها؛ كأخبار التجسيم والتشبيه، وقِدَم العالم، وثبوت المكان والزمان" [37] .
ولكن أصحاب الكتب الأربعة نصوا في مقدماتهم بأنهم لا يذكرون إلا الصَّحيح، فيجيب صاحب"كشف الغطاء"عن ذلك بقوله:"فلا بُدَّ من تخصيص ما ذكر في المقدمات، أو تأويله على ضرب من المجازات، أو الحمل على العدول عما فات؛ حيثُ ذكروا في تضاعيف كتبهم خلاف ما ذكروه في أوائلها" [38] ؛ أي: إنَّهم عدلوا عن شرط الصِّحة الذي ذكروه في مقدمات كتبهم.
6-الأصول الأربعمائة: