وعليٌّ هذا الذي له كلّ هذه المزايا والخصائص والمقامات، عليٌّ الإمام الذي انطوى فيه العالم الأكبر، عليٌّ الذي يتصرف في جميع ذرات الكون بمقتضى الولاية التكوينية التي مُنحت له، عليٌّ الذي ما خلق الله الخلقَ إلا لأجله، وما امتُحنت الخلائق إلا به، وما دخل أحدٌ الجنة أو النار إلا به وله؛ عليٌّ هذا بلحمه ودمه وشحمه - وفي التصور الإمامي نفسه - له صورة أخرى وقراءة أخرى عندهم غير هذه تمامًا؛ بل تُناقضها تناقضا صارخًا لا يُحتَمل، ولا يمكن أن تجد لها محملًا إلا على بساط الكذب والافتراء والغلو الذي لا يجيد القومُ غيرَه، ولا تجدها إلا في الأساطير والأوهام والخرافات.
والغلو لا سماء له ولا أرض، ولا يقف عند حدّ، وله أحوال يتقلب فيها إما بالزيادة والتهويل أو بالنقيصة والعويل؛ والشيعة الإمامية لهم نصيب من هذا وهذا؛ لا بل إنهم حازوا السبق البعيد في هذا وذاك، ولهم القدح المُعلى فيهما.
وكان لهم في عليّ والأئمة الأحوالُ كلها والمواجيدُ جميعها؛ يتقلبون فيها كيفما يشاؤون، ويتلونون - بها - كالحرباء، ويلتفون حول أنفسهم كالحية الرقطاء كما يحلو لهم ويشتهون، ويتفلتون وينفلتون بحسب ما تقتضيه أهواؤهم ونزواتهم ونزعاتهم ونزغاتهم.
فهم حين يرفعونه يبلغون به أعلى المقامات التي لا تنبغي إلا لله وحده ويُصَعِّدونَ النظر فيه إلى ما لا نهاية، فليس فوقه شيء، وحين يهبطون به؛ فإنهم ينحدرون به إلى أخس الدركات التي يتنزه عنها ويأنف منها السَّقَطة من الناس فضلًا عن أفاضلهم فضلًا عن عليٍّ رضي الله عنه وأرضاه، ويبلغون بهذا الانحدار مبلغًا ليس دونه شيء.
وهكذا فهم لا يعرفون التوسط في الأشياء؛ أوتوا من كل شيء أعلاه أو أدناه، واجتمع فيهم طرفًا التطرف والإجحاف.