ولم يلبث أن وفد على الشام من فارس أحد زعماء الباطنية واسمه"بهرام"، فنزل في حلب ثم انتقل إلى دمشق؛ حيث حظي برعاية أميرها طغتكين،"وأكرم لاتقاء شره وشر جماعته، وحملت له الرعاية وتأكدت به العناية"، كما يقول القلانسي [6] .
على أنه خشي أهل دمشق وهم من السنة فمازال يسعى عند"طغتكين"حتى منحه حصن بانياس عام 520هـ (1126م) ، ويذكر ابن الأثير أن تسلمه هذا الحصن جاء كارثة على البلاد؛ إذ عظم به الخطب وحلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين لاسيما أهل السنة [7] .
أما ابن القلانسي فيقول بأن"بهرام"لم يكد يستولى على بانياس حتى"اجتمع إليه أوباشه من الرعاع والسفهاء والفلاحين والعوام وغوغاء الطغام الذين استغواهم بمحاله وأباطيله، واستمالهم بخدعه وأضاليله، فعظمت المصيبة بهم وحلت المحنة بظهور أمرهم، وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السنة والمقدمين..." [8] .
وهكذا لم يستطع الناس الاعتراض على أعمال الباطنية، نظرا لحماية"طغتكين"لهم من ناحية، ولعنف وسائلهم ووحشية انتقامهم من ناحية ثانية؛"إذ شرعوا قتل من يعاندهم ومعاضدة من يؤازرهم على الضلال، ويرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان ولا وزير ولا يفلُّ حدَّ شرهم متقدم ولا أمير" [9] .
وفي عام 520هـ (1130م) قتلوا"البرسقي"أتابك الموصل [10] ، وفي عام 523هـ (1130م) أرسل الباطنية من مركزهم في قلعة آلموت اثنين من الباطنية لقتل"تاج الملوك بوري"أتابك دمشق والانتقام منه لما حل بإخوانهم في دمشق وبانياس. وقد تحايل هذان القاتلان على تنفيذ غرضهما حتى نجحا في الاعتداء على بوري، ولكن إصابته لم تكن قاتلة، فأبرأ وفشلت خطة الباطنية [11] .