... وأما الإمام أبو اسحاق الشيرازي (126) فكفر من اعتبر البداء الظهور بعد الخفاء، وأما من اعتبره كالنسخ فنهاه عن ذلك وطالبه بأن يسميه نسخًا لا بداءً فقال:"وزعم بعضهم أنه يجوز على الله تعالى البداء فيما لم يطلع عليه عباده . وهذا خطأ؛ لأنهم إن أرادوا بالبداء ما بيناه من أنه يظهر له ما كان خفيًا عنه فهذا كفر، وتعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا، وإن كانوا أرادوا به تبدل العبادات والفروض فهذا لا ننكره، إلاّ أنه لا يسمى بداءً، لأن حقيقة البداء ما بيناه، ولم يكن لهذا القول وجه" (127) .
... وحكم الإمام الشوكاني بالكفر على مجرد إطلاق لفظ البداء على الله تعالى بقوله:"إن النسخ لا يستلزم البداء لا عقلًا ولا شرعًا، وقد جوزت الرافضة البداء عليه عز وجل لجواز النسخ، وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها، والحاصل أن النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا من غير فرق بين كونه في الكتاب أو السنة، وقد حكى جماعة من أهل العلم اتفاق أهل الشرائع عليه" (128) .
... إن أقوال علماء الأمة تدل بوضوح دون لبس على كفر من وصف الله تعالى بوصف لا يليق بجلاله كالجهل، أو عدم العلم؛ لأنه بذلك يخالف الكتاب والسنة والمعقول .
الخاتمة
لله الحمد والشكر على ما أنعم ويسر، وبعد: فقد ناقش هذا البحث عقيدة البداء، وقد توصلت إلى العديد من النتائج أجملها فيما يلي:
1-إن عقيدة البداء في الأصل فكرة يهودية وصفوا الله تعالى بها، كعادتهم في وصفه تعالى بصفات النقص التي يتنزه سبحانه وتعالى عنها .
2-نقل هذه العقيدة إلى المسلمين عبد الله بن سبأ اليهودي، وتبنى الدعوة إليها ونشرها المختار الثقفي .
3-عمد بعض فلاسفة المسلمين إلى أخذ هذه العقيدة الباطلة، ولكن أخرجوها بقالب جديد، جامعين بين البداء وأقوال الفلاسفة القدماء تحت اسم علم الله تعالى بالكليات وعدم علمه بالجزئيات .