فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 51

... إن الله تعالى علاّم الغيوب لا يحجب عنه شيء، حيث يعلم سبحانه عواقب الأمور وكل شيء عنده في كتاب مسطور، أما البداء فهو من أوصاف أفعال المخلوقين الذين لا يعلمون عواقب الأمور ولا يعلمون أي الأمور خير لهم، ما عزموا عليه أولًا، أم ما بدا لهم ثانيًا، بل كل ذلك تبعًا للظن وتغليبًا عليه .

... وللفارق الواضح بين النسخ والبداء أنكر العلماء بشدة على من أنكر النسخ لاعتقاده أنه يؤدي إلى البداء، لأن النسخ يختلف عن البداء بالكلية، وممن أنكر الإمام الغزالي حيث رد بشدة على من احتج بأن النسخ يؤدي إلى البداء بقوله:"وهو لزوم البداء فهو فاسد؛ لأنه كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح وينهى عما أمر فذلك جائز { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } (الرعد: من الآية39) . ولا تناقض فيه كما أباح الأكل بالليل وحرمه بالنهار، وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالمًا به فهو محال ولا يلزم ذلك من النسخ، بل يعلم الله أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم فينسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه، وليس فيه تبين بعد جهل ... فليس إذًا في النسخ لزوم البداء، ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا النسخ، ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء ... وهذا هو الكفر الصريح، ونسبة الله تعالى إلى الجهل والتغير، ويدل على استحالته ما دل على أنه محيط بكل شيء علمًا، وأنه ليس محلًا للحوادث والتغيرات" (115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت