فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 51

... وأما الإمام ابن حزم فيقرر بوضوح أن الفرق واضح بين البداء والنسخ، وأن البداء لا يجوز بأي حال من الأحوال إطلاقه على الله تعالى بخلاف النسخ، فيقول:"الفرق بينهما لائح، وهو أن البداء هو أن يأمر بالأمر والآمر لا يدري مايؤول إليه الحال، والنسخ هو أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا، ولا بد قد سبق ذلك في علمه وحتمه في قضائه، فلما كان هذان الوجهان معنيين مختلفين، وجب ضرورة أن يعلن على كل واحد منهما اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم ويلوح الحق ."

فالبداء ليس من صفات الباري تعالى، ولسنا نعني الباء والدال والألف، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالأمر لا يدري ما عاقبته، فهذا مبعد عن الله عز وجل سواء سموه نسخًا أو بداءً أو ما أحبوا . أما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها وهو القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده عز وجل كما سبق في علمه تعالى" (113) ."

... ثم يقرر الإمام ابن حزم أن صفة البداء، هي صفة المخلوقين، الناتجة عن خُلق مذموم، وهذا منفي عن الله تعالى فيقول:"واسم الصفة الأولى عندنا البداء، فيها يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الإنس والجن وسائر الحيوانات، وهو خلق مذموم؛ لأنه نتيجة الملل والندم والسآمة، وهذه الأخلاق منفية عن الباري تعالى، فهذا فرق بين البداء والنسخ" (114) .

... هذا الموقف الواضح من الإمامين القرطبي وابن حزم يدل بوضوح على حقيقة البداء ورفضهم له واعتبارهم أنه مخالف للنسخ ولا يجوز إضافة صفة البداء لله تعالى لأنها صفة نقص، والله تعالى لا يتصف إلاّ بصفات الكمال .

... إن الله سبحانه وتعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض لم ينشأ ذلك عن رأي جديد كان يفقده من قبل، كما أنه تعالى لم يظهر له أمر كان خافيًا، بل كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلًا من قبل أن يشرعهما للعباد، بل من قبل خلق الخلق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت