... وأما البداء الذي هو ظهور الشيء بعد أن لم يكن، أو الظهور بعد الخفاء، فهذه صفات تلحق بالبشر لنقصانهم، وأما الله سبحانه فيتصف بالكمال، ويستحيل عليه سبحانه أن يوصف بصفة تدل على النقص؛ لأن صفة البداء يلزمها الجهل وحدوث العلم"والجهل والحدوث عليه محالان، لأن النظر الصحيح في هذا العالم دلنا على أن خالقه ومدبره متصف أزلًا وأبدًا بالعلم الواسع المطلق، المحيط بكل ما كان وما سيكون وما هو كائن، كما هدانا هذا النظر الصحيح إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون حادثًا ولا محلًا للحوادث، وإلاّ لكان ناقصًا يعجز أن يبدع هذا الكون، ويدبره هذا التدبير المعجز" (110) .
... بل إن الآيات أكدت علم الله تعالى الواسع المطلق حيث قال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (الأنعام:59) . وغير ذلك من الآيات الكثيرة .
... ولذلك كان للعلماء موقف واضح بإنكارهم للبداء وإثباتهم للنسخ، مع بيان الفرق بينهما، فهذا الإمام القرطبي في تفسيره يقول:"والفرق بين النسخ والبداء، أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالًا فيحرم أو كان حرامًا فيحلل . أما البداء فهو ترك ما عُزم عليه كقولك امض إلى فلان اليوم ثم تقول لا تمض إليه، فيبدو لك العدول عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم" (111) .
... ثم يبين أن النسخ ليس من باب البداء بقوله:"وليس هذا من باب البداء ... إنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالمًا بمآل الأمر، وأما العالم فتتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته لا إله إلاّ هو، فخطابه تبدل وعلمه وإرادته لا تتغير فإن ذلك محال من جهة الله تعالى" (112) .