... وأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليها باستمرار، لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما، فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة في رفعها بالنسخ .
... والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها، أن فروعها هي ما يتعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد، أو هي كميات وكيفيات، أما أصولها فهي ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف .
... وأما مدلولات الأخبار المخفية فلأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ والمنسوخ وهو محال عقلًا ونقلًا، أما عقلًا فلأن الكذب نقص، والنقص عليه تعالى محال، وأما نقلًا فقوله تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } (النساء: من الآية122) وقوله تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } (النساء: من الآية87) (107) .
... ولذلك يقول صاحب اللمع في أصول الفقه:"لا يجوز النسخ إلاّ فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة والعبادات الشرعية، فأما ما لا يجوز أن يكون إلا وجه واحد مثل التوحيد وصفات الذات كالعلم والقدرة وغير ذلك، فلا يجوز فيه النسخ، وكذلك ما أخبر الله عز وجل عنه من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة فلا يجوز فيها النسخ، وكذلك ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وغير ذلك لم يجز فيه النسخ" (108) .