4-ومما يشير إلى وقوع النسخ فيمن سبقنا أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده عليهما السلام، ثم نسخ ذلك بالفداء قبل فعله، كما أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم، كما ثبت أنّ من دين آدم عليه السلام وطائفة من أولاده جواز نكاح الأخوات وذوات المحارم والعمل في يوم السبت ثم نسخ ذلك في شريعة موسى عليه السلام، وكذلك الشحوم كانت مباحة ثم حرمت في دين موسى عليه السلام .
5-إن النفس إذا مرنت على أمر ألفته، فإذا انتقلت إلى غيره شق عليها لمكان الاعتياد المألوف، فيظهر مدى الإذعان والانقياد لطاعة الآمر، فالنسخ يميز الطائع من العاصي .
6-إن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، فله أن يأمر بالشيء في وقت وينسخه بالنهي عنه في وقت آخر وهو أعلم بمصالح العباد (105) .
ثالثًا: الحكمة من النسخ:
1-مراعاة مصالح العباد .
2-تطور التشريع حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس .
3-ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه .
4-إرادة الخير للأمة والتيسير عليها، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب، وإن كان أخف ففيه سهولة ويسر (106) .
رابعًا: ما يجوز فيه النسخ:
... إن النسخ لا يكون إلاّ في الأحكام، وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ، لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة، فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء .
... أما العقائد؛ فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فبدهي ألاّ يتعلق بها نسخ. وأما أمهات الأخلاق؛ فلأن حكمة الله تعالى في شرعها ومصلحة الناس في التخلق بها أمر ظاهر لا يتأثربمرور الزمن، ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم، حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير .