(قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية على طريق إيليا على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرَّحْل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفًا، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد دسم وتخرق جَنْبه، فقال: ادعوا لي رأس القوم فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروا لي ثوبًا أو قميصًا، فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه، فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلومس. أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئًا غير هذا وركبت برذونًا لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلًا، فأتي ببرذون، فطرح عليه قطيفته بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال: احبسوا، احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا، فأتي بجمله فركبه) ( [44] ) .
ونبذة عن رحلته الثانية إلى الشام في عام (18 هـ) ، وقد رواها الطبري، قال:
(خرج عمر وخلّف عليًا على المدينة وخرج معه بالصحابة رضي الله عنهم، وأغذوا بالسير واتخذ إيلة(على ساحل البحر الأحمر) طريقًا، حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق، واتبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فروٌ مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه أوائل الناس، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم -يعني نفسه- فذهبوا إلى أمامهم، فجاوزوه، حتى انتهى هو إلى إيلة، فنزلها، وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين إيلة ونزلها، فرجعوا إليه) ( [45] ) .
تعاون علي رضي الله عنه مع الخلفاء الثلاثة: