وأجلُّ مأثرة له أنه جمع العالم الإسلامي كله على مصحف واحد وقراءة واحدة، وأنه أمر بكتابة نسخ المصحف وتوزيعها في جميع الأقطار الإسلامية ( [36] ) .
سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أما ما يتصل بشخصية الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، فليس هناك من يعارضه سوى الخوارج، وبالمناسبة نكتفي بوصف أحد رفاقه ضرار بن ضمرة، وقد أبدى فيه انطباعاته عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، على طلب من معاوية رضي الله عنه، وتحدَّث فيه عن معلوماته ومشاهداته الشخصية، وحاول أن يصورها بالكلمات، ونستطيع أن نقدِّر بهذا الوصف مدى تورع هذه الجماعة المؤمنة القدسية، حتى في حالة الحكم والخلافة، وقد كانت من المتخرجين في مدرسة النبوة، وتلاميذ الإيمان والقرآن، يقول ضرار بن ضمرة:
(يستوحش من الدنيا وزهرتِها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزيرَ الدمعة، طويلَ الفكرة، يقلِّب كفه، ويخاطب نفسَه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتدئه لعظمه، فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهلَ الدين، ويحبُّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد بالله، لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفَه، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه، وهو يقول: يا دنيا! يا دنيا! أبي تعرضت أم لي تشوَّفْتِ؟ هيهاتَ، هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد بتتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك، فعُمُرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق) ( [37] ) .
حياة الخلفاء الزاهدة، وامتناعهم عن استخلاف فرد من أسرتهم: