ولا أدل على إخلاص هؤلاء الخلفاء الأربعة واتصالهم بالله، وعلى عظمتهم وتفردهم بهذه الخصائص، من أنهم لم يرضوا بالتمتع بذلك الثراء العظيم الهائل، والقناطير المقنطرة التي كانت ثمرة قرون، وبدأت تتدفق كالسيل من الروم وفارس في أيامهم، ولم يعيشوا بالرغم من ذلك عيشة رفاهية، فضلًا عن التنعم والبذخ، بل إنهم اقتفوا آثار الرسول الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وآثروا حياةَ الزهد والإيثار على كل متعة ورخاء، بل الواقع أنهم كانوا أرفهَ حالًا وأهنأ بالًا قبل أن يتولوا الخلافة.
يقول جيبون (Gibbon) :
(لقد تمت تربية أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في أحوال القلق والحروب ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت بشرى الجنة قد أغنتهم عن جميع اللذات والأخطار، ولكنهم تسلَّموا زمامٍ الحكم في سن متقدمة، وكان الدين والعدل قد حلاَّ في أعينهم محلًا أكثر أهمية من الحكومة، وقد كانت حياتهم الساذجة أصبحت عادة لهم، وكانت تنشر الدهشة والاعتبار في نفوس ملوك العالم الذين كان شعارهم الأبهة والشوكة) ( [38] ) .