(لقد كان عمر رضي الله عنه أعظم رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المملكة الإسلامية، فكان من ثمار ذكائه واستقامته أن خضعت في خلال هذه السنوات العشر، كل من مناطق الشام ومصر وفارس، للنفوذ الإسلامي، ولا تزال منذ ذلك الوقت ضمن الأقطار الإسلامية.
ولكنه بالرغم من كونه حاكمًا عظيمًا لمملكة عظيمة لم تعوزه أبدًا الفراسة والمتانة ولا الرؤية العادلة في الأمور والقضايا، فإنه لم يرضَ بأن يلقِّب نفسه بألقاب عظيمة، سوى ذلك اللقب العادي والساذج الذي يدعى به، وهو (رئيس العرب) ( [24] ) .
كان الناس يتوافدون إليه من ولايات بعيدة، ويسألون عن عمر الحاكم والخليفة في فناء المسجد النبوي وأنحائه، ثم يتساءلون عما إذا كان أمير المؤمنين موجودًا في المسجد؟ وهو جالس أمامهم في ملابسه العادية) ( [25] ) .
ويقول عن الخليفة أبي بكر رضي الله عنه:
(لقد كانت سذاجة مجلس أبي بكر مثلها في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن عنده خدم ولا حرس ولا مؤشرات تشير إلى أبهة الحكم والخلافة، كان متعودًا على بذل مجهودات واسعة في شؤون الخلافة، وهناك أحداث كثيرة تدل على تعمقه في جزئيات الأمور ودقائقها، كان يتجول الليالي للعثور على المظلومين والفقراء، وكان أرفع من أي محاباة أو دافع انتقام في تعيين العمال وكبار الحكام في الخلافة وكان يتجلى التدبر العميق في تصرفاته وأحكامه( [26] ) .
سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه:
يشهد التاريخ الموثوق به أن حياة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت ساذجة، إنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت ( [27] ) ، وكان يصوم الدهر ويباشر أعماله بنفسه على الرغم من وجود الخدم.
فقد أخرج ابن سعد عن عبد الله الرومي، قال: كان عثمان رضي الله عنه يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه ( [28] ) .