يسعدنا أن نبدأ هذا الموضوع بمقتطفين من خطب علي كَرَّم الله وجهه يحملان شهادته عن الصحابة الكرام -الذين أصبحت شخصيتهم موضعَ بحث لدى بعض الفرق ومدارس الفكر- فإنَّ شهادة عليٍّ رضي الله عنه بمثابة شهادة عينية، إن بيانه نموذج رائع لما عرف به أهل البيت النبوي من الصدق والأمانة، ومثال ناطق للبلاغة التي اشتهر بها سيدنا علي رضي الله عنه وسلمت له، وينبغي أن لا يفوتنا أنَّ وصفه هذا إنما يدور حول رفاقه وزملائه الذين كانوا قد فارقوا الحياة وانتقلوا إلى الدار الآخرة، ولا يجوز أن يختص هذا البيان بالصحابة الأربعة ورفقته الأجلة فحسب- الذين يعتقد الإمامية أنهم هم وحدهم الذين ظلوا أوفياء للإسلام متمسكين بما تركهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم: سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، ومقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر - فإنَّ غير واحد منهم كان موجودًا في حياته مساندًا له في شؤونه وأعماله ( [10] ) .
هذان المقتطفان مأخوذان من كتابه الموثوق به والمتَّفق عليه بين الشيعة الإمامية الذي يجمع بين خطبه ورسائله وأقواله وهو مجموع نهج البلاغة، وقد ألفه الأديب الكبير والشاعر الهاشمي الشيعي المعروف بـ الشريف الرضي (359 - 404 هـ) ولا يزال هذا الكتاب متداولًا يتمتع بإجلال واحترام عند الشيعة، ذا قيمة أدبية كبيرة عند علماء الأدب منذ ذلك العهد إلى العصر الحاضر، وقد شرحه العالم الشيعي الشهير والمتكلم ابن أبي الحديد (586 - 655 هـ) بكثير من الاهتمام والعناية، وليقرأ القارئ الكريم النصين التاليين، وليتذوق ما فيهما من بلاغة أدبيهّ وروعة فنية، يقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وهو يتحدث عن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم: