بالنسبة إلى الشرط الأول فإنَّ من الواقع المحقق أن كل نبوة قامت في عهدها بصياغة الإنسان صياغة جديدة، وتربيته تربية فاضلة، وأعدَّت أفرادًا منحوا هذا العالم حياة من جديد، وألبسوا الحياة لباس الهدف والمعنى، الحياة التي كانت قد تجردت عن الهدف بقصر نظر الإنسان وفكره الزائغ وجهله بحقيقة الحياة.
ولكن أعزَّ مأثرةٍ تلمع على جبين الحياة الإنسانية من بين مآثر النبوة، هي المأثرة الكبرى التي قام بها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سجل التاريخ مآثره النبوية في تفصيل لا يوجد له نظير في غيره من الأنبياء، فإنَّ التوفيق الذي أكرمه الله به في مجال تربية الإنسان وصياغته، إنما تفرد به من بين الأنبياء والمرسلين فضلًا عن المعلمين والمربين، إن المستوى الذي بدأ منه النبي صلى الله عليه وسلم عمله في بناء الإنسانية لم يعهده أي نبي أو مصلح أو مربٍ، فقد كان ذلك آخر مستوى التدني والإسفاف في المعاني الإنسانية الكريمة، تنتهي فيه حدود الحيوانية وتبدأ منه حدود الإنسانية، وكذلك فإنَّ المستوى الأعلى الذي بلغ إليه النبي صلى الله عليه وسلم في عمل البناء للإنسانية لم يكن للإنسان عهد به في أيِّ عصر ولا جيل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بدأ عمله من المستوى الأخير السافل للإنسانية، فإنه قد بلغ به إلى أرفع قمة للإنسانية وأعلاها.
أجمل صورة في مجموع الصور الإنسانية العالمي:
وكلُّ فردٍ من أفرادِ الجيل الذي أعدَّه الرسول الكريم كان نموذجًا رائعًا للتربية النبوية، ومفخرةً وشرفًا للنوع الإنساني، لا توجد صورة في المصور الإنساني العالمي الواسع، بل في الكون كله، أجمل وأروع وأشرف من هذه النماذج الإنسانية والأنماط البشرية، باستثناء الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين.